.............
 

آخر 12 مشاركات
تتويج منتخب البحرين بكأس خليجي 24 ـ (صور) صور من القسم ... موقع أميركي: ناشطة تتولى حملة لإحياء مكتبة الموصل المركزية... ثورة الشباب ستعيد حقوق الانسان المنتهكة : طارق رؤوف محمود
ثلاث منظمات إيرانية.. تتضامن مع انتفاضة الشعب العراقي إدانة... البيت الآرامي العراقي النشرة الإخبارية ليوم 8 ديسمبر 2019... Inline image القاء القبض على مندس سعودي مجرم متنكر بزي...
مذبحة الخلاني.. ضابط عراقي يروي التفاصيل ووثيقة مسربة تكشف... رسالة تعزية ورثـاء لشهداء العنف والأرهـاب في دولة العراق... من وارشو اكتب عن احلى الايام ، في ضيافة جلالة الملك جون...
من وارشو اكتب عن احلى الايام ، في ضيافة جلالة الملك جون... من هو "الخال" ولمن ينتمي عناصره؟.. هذا ما جرى بكراج... عنصر في سلاح الجو السعودي يقتل 3 في قاعدة عسكرية في فلوريدا...


رجوع   الجمعية الدولية الحرة للمترجمين واللغويين العرب واتا > بوابة الدولية الحرة ( للآداب الإنسانية والعلوم التطبيقية) بإشراق الشاعر أ. د. >  واحة الشعر القديم والحديث ( فصيح نثر عمودي تفعيلي )يإشراف الشاعر أ. > الــقــراءات الـنـقـديـة في الـشعـر
الإنتساب المساعدة قائمة الأعضاء التقويم محرك البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 01-17-2010, 04:00 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
محمود النجار
اللقب:
عميد تجمع شعراء بلا حدود /شاعر / مجلس الحكماء
 
الصورة الرمزية محمود النجار

البيانات
التسجيل: Jan 2010
العضوية: 4
الدولة: الأردن
المشاركات: 4
بمعدل : 0.00 يوميا
الإتصالات
الحالة:
محمود النجار غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر MSN إلى محمود النجار إرسال رسالة عبر Yahoo إلى محمود النجار

 

المنتدى : الــقــراءات الـنـقـديـة في الـشعـر
افتراضيورشة عمل لنقد قصيدة : تراكم للأستاذ محمود النجار

النص :

تـراكـــم ..

كموجٍ تدافعَ ..
حتى اعتلى صهوةَ الماء عمري
ولكنّ شمسَ الظهيرةِ قيـظٌٌ
يبخّرني ..
ويقضمُ عمرَ الثواني التي
راكمتني هناك غريبا ..
فلا سترَ دوني ..
ومهما علوتُ
أعود كما كنتُ
ذرةَ ماءْ ..
رذاذًا لطيفًا .. !!

محمود النجار

العناصر الأولية في البناء الشعري
التصوير بالقفز
محمد علي مصطفى


ليس هناك أي شيء غير عادي في رياضة القفز بالزانة ، فالمتسابق لا يأتي بشيء جديد لا يمكننا فعله ، حتى لحظة الوصول إلى الصاري وغرز الزانة في الأرض ، والاستعداد للقفز بتحويل سرعة الاندفاع إلى قوة للصعود ، بعد اتكاء رشيق بالقدمين على الأرض ، وشد المتسابق لعضلاته فوق الزانة ، وطرح ساقيه في الهواء ، ولا تنبهر أنفاسنا وتكف الرئتان عن حركة التنفس إلا لحظة أن يطرح المتسابق ساقيه في الهواء ليرتفع بمهارة فوق الحاجز ثم يبدأ بعد وصوله إلى النقطة الحرجة ( صفر ) في السقوط ، هنا تبزغ براعة المشهد ويتنامى فينا الإحساس بالترقب ، نشاهد ذلك مشدوهين خشية أن يمس ظهر المتسابق الحاجز الخشبي المرتفع ، فتلغى له المحاولة ، وتقل سعادتنا كثيرا عما لو كانت ناجحة حتى وإن كررها كثيرون ، ليس لغاية النجاح ولكن لغاية ما فيها من جمال !
في هذه اللعبة يبدو لنا نوعان من الإبداع : أحدهما عادي مبذول للجميع ، وهو القدر الأول منها حتى لحظة القفز وما بعدها بقليل ، وثانيهما ما يكون معه الترقب القاسي المبهر ، ولا شك أن الثاني هو الأهم وإن كان يتكئ على الأول ( العادي ) ولا يكون بدونه.

يتكئ "محمود النجار" في هذا النص الذي بين أيدينا على تقنية فنية أسميها ( الخيال القافز ) تماثل القفز بالزانة ، وهي تقنية تتخذ من مجموعة عناصر أولية يأتي في مقدمتها التشبيه لحمتها وسداها ، وهي سمة أحسبها متكررة في شعره بشكل عام ، حيث يرفدها في كل مرة بقدرته على الإيحاء الشفيف والإيهام المقبول فنيا ، وإن لم يكن في غير هذا النص بعض حين ، فيبدأ نصه هذا مثلا بقوله : " كموج تدافع "، ويسلك فيه الشاعر مسلكين غريبين ووعرين في آن واحد : فهو أولا يبدأ بكاف التشبيه التي من حقها ( في المنطق النثري ) أن تجيء عقب المشبه ( المجهول حتى الآن) ، إذ مدار الكلام عليه ، مما يربك القارئ ويوقعه في حيرة ، لفقدانه الركن الأصيل في تركيبة التشبيه ، فيبادر إلى الذهن هذا الاحتمال : لعله محذوف ، ولعله سيأتي ذكره بعد ! لكن بمجرد أن يتابع القراءة - وهذا هو المسلك الوعرالثاني - تفاجئه هذه المزقة التصويرية العادية تماما : ( موج تتابع ) فيهمس القارئ إلى نفسه : " ها أنا ارتحت سريعا ! إذ أراني أمام نسق من الشعر ليس بمغاير ، فما الجميل المعجب في التشبيه بتتابع الموج ؟ " ثم ما يلبث القارئ أن تحمله تلك الدفقة الشعورية الرائعة :
حتى اعتلى صهوة الماء عمري
فيشعر أنه أمام نسق أقل ما يوصف به أنه مغاير
بل يكاد يغرق مرتين ما لم يكن ذا دربة تعينه على مواجهة الموج :
المرة الأولى حين يأخذه حرف الغاية ( حتى ) وهو حرف موهم بالقرب والوصول كأنما قد تم له غرز الزانة في الأرض ليقفز بها إلى حركة أكثر مهارة ... إلى استعارة مكنية تتمثل في ( صهوة الماء ) ، وما بين التشبيه الذي لم يكتمل ( للوهلة الأولى ) والاستعارة الجميلة ( صهوة الماء ) نشاهد أول قفزة للشاعر :
التشبيه الذي يعطي هيئة الاستعداد ،
و"حتى" التي تعطي هيئة الارتكاز ،
والاستعارة البارعة التي تعطي القافز هيئة القفز وهو في أبعد نقطة من نقاط الوصول.
وقس على هذا المنوال ، فالشاعر يبدأ غالبا من طينة التشبيه ، يتكئ بقدميه عليها ، ( التشبيه الذي يبدو في كل مرة خلال القراءة المتعجلة عاديا ) ثم ما يلبث القارئ أن يكتشف مذاقا جديدا وربما غريبا ، حين يسمح النسيج التصويري الاستعاري لظهر الشاعر أن يعلو فوق الحاجز الرفيع الذي عنده تتولد النقطة الحرجة للإبداع.
أما المرة الثانية التي يكاد القارئ يغرق فيها ، فتتمثل في هذا المباغت الحليم : عمري " والذي يتعدى كونه مجرد فاعل للفعل " اعتلى" إلى احتمال آخر وهو أن يكون هو نفسه المبتدأ ... أي هو المشبه اللئيم الذي أشرت إليه آنفا - جاء متأخرا ومحيرا وقد كان من حقه التقديم ، وعلى ذلك فإن تأكد هذا الاحتمال كان على القارئ ( المبحر ) أن يُعْملَ بابا عجيبا من أبواب النحو العربي وهو باب التنازع والاشتغال ، ليتجاوز الإرباكُ الفني منطقَ علم الأصول الجليل حين يضبط هذا المعنى بالمفهوم غير الشعري ويقول:
" إذا قام الدليل مقام الاحتمال ... سقط الاستدلال"
والشعر الحقيقي شيء مغاير ، ومحمود النجار مثال على ذلك.
وبهذا تتضافر القفزة الأولى انطلاقا من التشبيه العادي وصولا إلى الاستعارة التي يعمق الشاعر من أجلها وبها رؤيته وقيمته الشعرية ، يتضافر كل هذا مع استغلال الشاعر للتنازع والاشتغال كإمكانية فنية راقت له في هذا الموضع إلى حد كبير .
ويتسارع الشاعر في الهبوط بعد قفزة أولى ناجحة ليبدأ بقوله " لكن " التي تجعل قدميه ( وقدمي القارئ ) تنغرسان في وهم "الاستدراك" ، كما انغرستا منذ قليل في وهْم " حتى " التي تحمل - كما تحمل لكن - مرونة الزانة ، لما فيهما من إيحاء بإدراك الغاية والقرب والوصول .
ويبدأ الشاعر من جديد في التهيؤ لقفزة ثانية بعد غرز " لكن " ، وذلك بالانطلاق من طينة هذا التركيب العادي :
شمس الظهيرة قيظ
وما الجديد في أن يقول الشاعر : ( الشمس في وقت الحر الشديد بمثابة قيظ؟ ) ألا يعد هذا تحصيل حاصل ؟
لكن الشاعر لا يدع فرصة للخمول فيسارع بالقفز إلى أعلى بعيدا ... بعيدا حين ينسج أربعة تراكيب تصويرية مميزة أغلبها استعاري :
- يبخرني
- يقضم
- عمر الثواني
- راكمتني
لتمثل تلكم جميعا أبعد نقطة يمكن أن يتموج إليها وفيها جسم الشاعر .

وتبقى نغمة واحدة شذت عن تقنية ( الخيال القافز ) التي برع الشاعر في استغلالها ، وأعني بها عبارة : " فلا ستر دوني "حيث يدرك القارئ البصير أن الصورة هنا توالدت بشكل عشوائي ، وأن الإيحاء فيها جاء أضعف ما يكون ، وأن الفارس النبيل لم تمنعه مهارته الفنية من أن يكبو في مضمار السباق من فوق ( صهوة الماء ) مرة.
ولا ضير ! فالناقد حين يومئ إلى هذه العثرة ينظر تفصيلا وإجمالا إلى قدرة الشاعر في هذا النص وسواه وإلى طاقته التصويرية المتمثلة في تقنية ( الخيال القافز ) نظرة فاحص يعرف كيف يُثَمِّن الحجر الكريم .
أقول : ولا ضير ! فقد أصبحنا مع مشهد لآخر قفزة في هذا النص
وهي تبدأ كما كان العهد في القفزتين الأولى والثانية بالاتكاء على التشبيه الذي يوحي بالعادية :
كما كنت
وتلك هي لحظة الاستعداد للقفز وصولا إلى نقطة الإبهار والمغايرة المتمثلة في الصورة الجميلة :
ذرة ماء
رذاذا لطيفا
والطريف في الأمر - قبل أن أغادر هذا النص - أن الشاعر يشهد على نفسه وبدون وعي منه على استثمار الطاقة التصويرية لتقنية ما أسميته بـ : ( الخيال القافز) حين يقول :
ومهما علوت
أعود

تحيتي وتقديري
محمد علي مصطفى












عرض البوم صور محمود النجار   رد مع اقتباس
قديم 01-17-2010, 04:02 AM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
محمود النجار
اللقب:
عميد تجمع شعراء بلا حدود /شاعر / مجلس الحكماء
 
الصورة الرمزية محمود النجار

البيانات
التسجيل: Jan 2010
العضوية: 4
الدولة: الأردن
المشاركات: 4
بمعدل : 0.00 يوميا
الإتصالات
الحالة:
محمود النجار غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر MSN إلى محمود النجار إرسال رسالة عبر Yahoo إلى محمود النجار

 

كاتب الموضوع : محمود النجار المنتدى : الــقــراءات الـنـقـديـة في الـشعـر
افتراضي

التّدافع الصُّوري والشعوري في نص " تراكم"
عطاف سالم


يبدو من العنوان أننا نشهد حالة من التدافع الشعوري الصوري في النص , وهو تدافع متزاحم كان وليد تراكم يعتلج ويتصارع ثم يطفو مرة تلو أخرى , أو يسفل في مدٍّ وجزٍ وبين قبض وتفلُّتٍ مُتحرّر من قيود التّحمل والتّصبر داخل الشاعر ..!

هو نص يعكس الحالة الشعورية التي يعيشها الشاعر , وهي حالة مترجرجة نتيجة لمشاعر الشاعر المتدافعة المتصارعة والتي يعيشها بينه وبينه هو نفسه ..

وهذه الصورة الخاطفة المسكوبة هنا قد خُلقتْ أيضاً بتدافع صوري متراكم يخلق نوعاً من الإنسجام ونوعاً من التوحد البنائي والشكلي في النص بين التجربة الشّعرية وأختها الشّعُوريّة ..

منذ تحدر المتلقي من لدن العنوان إلى كلمة " كموج تدافع .. " يشعر أن هناك حديث نفسي خفي غير ظاهر يُعزّز هذا شعورٌ خفي آخر بشىء من الاستئناف لذاك الحديث النفسي الذي يحدث داخل الشاعر ويحاول الإقلال منه لكنه يتدفق ويتدافع رغما عنه ويخرج حيث يستقر على صهوة هذا التشبيه " كموج تدافع ..." !!

هذا التشبيه الذي بدأ أحد ركنيه – بدايةً - مجهولاً غير معلوم مما يؤكد الحالة التي يعيشها الشاعر من محاولة حبس مشاعره المتدفقة وتصارعه معها كي تستقر أو تجد لها ملاذاً ومخرجاً حيث يختفي هو ويدع الشعور يتدفق بلا لجام بعدما أعياه التدافع نتيجة تراكم متعدد الجهات ..!

يزيد من حجم حدّة محاولة الشاعر الاخفاء هو التعبير بالنكرة " كموج !

وصورة التشبيه هذه من الصور المتوسطة الشّبه تقريباً :
يقال مثال :
هو موج = الدرجة العليا في التشبيه
هو مثل موج = الدرجة الثانية وهي أبعد في الشّبه
هو كموج = الثالثة وهي أبعد من الثانية
هو كمثل موج = درجة بعيدة الشبه لاحتوائها على أداتين في التشبيه "الكاف" و"مثل" وكأن المستخدم لأداتين هنا يُشبّه ولكن من وجه بعيد جداً !

وحسن جداً أن الشاعر لم يستخدم هذه الدرجة الأخيرة !

وربما الدرجة التي استخدمها هنا تعكس حالة كبته لمشاعره فإذا هي تخرج رغماً عنه ..
لأنه لو استخدم الشاعر الدرجة الأولى من درجات التشبيه فإن هذا يظهر رغبته من تذمره مما يعتلج داخله فيبوح به دون أيّ تردّد أو تدافع يريد به الصدّ والكبت !

وظني أن التشبيه بالحرف وهو " الكاف " أبعد من التشبيه بالاسم وهو " مثل " !
إنما كان منسجماً دلالياً وصورياً مع المعنى والتراكم الشعوري !

كموج تدافع ...

وللنقاط توظيف دلالي آخر يعكس حالة من التوقف للكبت مرة أخرى , ثم بالكاد يبرز إلى السطح ماكان خافياً على المتلقي وراء هذا التشبيه الذي تستّر أحد ركنيه باعثاً في النفس المزيد من التّوق والتّشوّق لِمَا سوف يأتي من بعد .

ويعكس التعبير بالفعل " تدافع " استمرارية ثبات التدافع والتزاحم في إصرار والحاح لاينقطع وبحيثية تكاد أن تلهث من حدة الحدث وقوته !
فإلى متى ... ؟؟؟

حتى اعتلى صهوةَ الماء عمري
ولكنّ شمسَ الظهيرةِ قيـظٌ
يبخّرني ..

هنا يتبخر المجهول ويتبدّد , ويَضعفُ الشاعر عن محاولته المستميتة في مدافعة ماقد غلبه واستقوى عليه فانهمر في صورة لافتة ومعبرة ومؤثرة عندما قال ......

"حتى اعتلى صهوة الماء عمري "
كل دلالة لفظية هنا تعبر عن صورة أوحالة أو موقف !

فــ " حتى " التي تفيد انتهاء الغاية بعد حدث يشتعل ويعتمل تمخّضت عن صدمة ..
عن وجع ..
عن مفاجأة ..
وعن بغتة !

ولعل القارىء الكريم يلحظ المناسبة والمقابلة المعنوية الداخلة بين نسيجين هما " كموج " و " صهوة الماء "

أليس حدة التدافع في موج مجهول الهيئة والصفة فضلاً عن أنه موجٌ يعكس الفزع والخوف والقوة والصخب والثوران الأعمى يُعدُّ صهوةً , وأيُّ صهوة ؟؟!!

لكن الأشدّ مفاجأة وغرابةً أن يعتلي هذه الصهوة " عمرالشاعر" ؟؟!!

وربما يدور بالخلد تساؤلات عدة ..

أيهما أقوى ؟؟
ألم يكونا لائقين في القوة والغضب والصخب والثورة والتدافع والتصارع ؟؟!!
أم كانا لائقين في تَحمّل مالا يُحتمل حتى أفضى بهما الحال إلى الاستسلام للشمس حتى تبخرهما فيتخلصان من كل شىء ؟؟!!

ولعل الشمس هنا محور كبير يدور حوله النص لأنه سبب هذا التدافع وسبب هذا التراكم !

وهو رمز لكل مُضعِفات الحياة وموهِنَاتِها برغم التعايش المستميت وحِدة الصراعات معها ومع ظروفها وكل أحوالها المتفاوتة المُباغِتة !

ويجمع الشاعر بين دلالتين لهما نفس المعنى هما " شمس " و " قيظ "

وكما أن الزيادة في أحرف الحدث تزيد من قوته ودلالته فإن في زيادة الدلالة على الدلالة مايقوي المعنى ويزيد من قوة تعبيره وملاصقته حداً كبيراً لعمق المعنى الأصيل القابع في قرارة الجوف البعيد من وجدان الشاعر !

وبين نشوى اعتلاء صهوة الموج المتدافع تمسُّكاً ولواذاً أو ربما تعزّياً وتسرّياً تسقطُ " لكن " في قلب النص فتُدمّر كل شىء وتفصم عرى الالتصاق والارتباط بين " صهوة الماء " و " عمر الشاعر " , وربما تذيبهما وتخلطهما معاً !

ولكنّ شمسَ الظهيرةِ قيـظٌ
يبخّرني

وهنا بتلك الدلالتين وبـ " لكن " يتعزّز الشعور بالإخفاق وبالوهن والعجز في قهر وخيبة وألم مُمِض ووجع يُلظّي ماله آخر!

تراكمٌ هناك في نفس الشاعر يعتلي ويعتلي حتى ينفجر , وتراكم هنا من التصوير يبدأ من " موج تدافع " و " يعتلي " إلى " لكن " ثم إلى :

ويقضمُ عمرَ الثواني التي
راكمتني هناك غريبا..

والغريب واللافت أن الشاعر لم يتدرج في تصوير هذا التراكم , إذ جاء العطف بين كل مامضى وماسبق الإشارة إليه من تلك الدرجات بحرف واحد هو " الواو " الدالة على المشاركة المطلقة في الحدث مع " مساواة " !

وربما كان الأجدر بالشاعر مثلاً أن ينوّع في أداة العطف ليعكس المسافة بين كل حدث قد تراكمَ .. لكن من الممكن ومن المتصور والمقبول أنه الأليق بالتدافع دون تفريق ودون تقنين أو مقياس ودون أدنى تأمّل أو تأنّ أو ترفّق أن تكون الأحداث متوالية في زمن واحد بقوة لايمكن صدها ولايمكن إيقافها أو دفعها وهي في المقابل لاتتمهل ولا تستجيب لدوافع الاستعطاف أو الاسترحام .

إن المقطع الذي يمثل مابعد الفورة أو بعد أسّ الإنقلاب والإسقاط , أو ربما بعد وهج الصراع بين الإبقاء والإندفاع هو قوله :

ويقضمُ عمرَ الثواني التي
راكمتني هناك غريبا..

يمثل هذا الدرجة الرابعة من درجات التراكم الصوري المُعبّر شعورياً عن تجربة عاشها الشاعر وأتحفنا بها هنا رغم قصرها لكنها تمثل صورة شاهقة ومُكبّرة وفي تركيز شديد جدا يعيشها أي فرد منّا في مرحلة زمنية معينة من العمر حتماً !

وهو مقطع لو سُلّط الضوء عليه بصورة مركزة تبرز الدلالات الآتية :

تصوير موفقٌ للقيظ بوحش مُوحش ومُنفّر ومخيف يقضم شيئاً أصغر منه بكثير ..
إنه " ثواني العمر " !!
لكن يبدو لأول وهلة أنه شىء صغير !!
إنما ليس كذلك لأنها أجهزت على من هو أكبر منها ..!
إنه الضمير في " راكمتني " العائد على الشاعر بطبيعة الحال !

لقد صنعتْ تلك الثواني ماصنعت في الشاعر لمّا راكمتْهُ ثم قذفتْ به بعيدا لوحش القيظ غريباً ....... لا كالغريب !
ويلتهمه دون رحمة أو أي إشفاق !

هذا التمييز المُعبّر " غريباً " يبث في النفس نوعاً من الوله واللوعة ومزيداً من الحرقة وانبثاق الشعور حاراً لافحاً يفتت قلب الشاعر ويستبد بعقله ولبه وتفكيره !

تمييزٌ يزيل الوهم ويبدده عن كيفية التّرك والطّرح قبله اسم اشارة لبعيد يبدو مجهولاً ليدلل على دوامة كبيرة يعيشها الشاعرتخنق كل حس يريد أن يستقر أو يطمئن وعلى أي حال من الأحوال ..!

وينطفىء الاشتعال , وينتهي التدافع ويخرج كل ماكان متراكماً قد تفجّر وأثّر ووصم وحَفّر إلى مقطع أخير يمثل انتهاء الفورة , ويقظة الصدمة وتقبل الواقع المرير في رضا مرير , وتأمل مرير هو الآخر يشوبه شىء من ابتسام أصفر في شىء من الشرود الذهني إلى عالم خيالي عله يطمئن ولو بالخيال غياباً عن واقع يستحق الفرار منه وعنه..!

حيث يقول :
فلا سترَ دوني ..
ومهما علوتُ
أعود كما كنتُ
ذرةَ ماءْ ..
رذاذًا لطيفًا

الفاء هنا ............... فصلت بين قوى متدافعة كنتُ قد أشرتُ لها برابط " الواو " بينها جميعاً
تمثل تعقيباً لابد منه حيث بلوغ النهاية وأول الإفاقة بعد جرف هائل وصراع متعاور مع صراعات أخرى تعتلج وتُهشّم ..

فلاستر دوني
ومهما علوت
أعود كما كنت

اللافت في هذا المقطع سلاسته النابعة من جرس حروفه الهادئة الساكنة ..

أليس يليق هذا بالانتهاء إلى حالة من السكون والهدوء والإطمئنان ؟؟!!

لم يعد هناك شىء يستحق الخفاء أو الكتمان أو الكبت ..
كل شىء سيخرج يوماً إنما في أوانه بعد تراكم لايُحتمل !

فيُفتَضح كل عراك ..
ويَنضَح كل وجع ..
ويتماوج على السطح كل مايُؤرق أو يُقلق كأنه الموج وكأن الشاعر فارسٌ يركبه وكلاهما يحاول أن يقود الآخر إلى مايريد ..

ومهما علا صوت القهر
أو صوت الصراع المرير
وصوت صولجان الصخب في رحى معركة الحياة ....

يعود كل شيء إلى ماكان
وتهدأ العواصف .!

وكون الشاعر يضيف إلى "ذرة الماء " " رذاذاً لطيفاً " هو من باب تأكيد المعنى وتقويته وهو يوحي بعدة دلالات لعل منها :

التسليم والإطمئنان
أو ربما هو نفسه لكن بشىء من الشعور بالخيبة
لكنه في النهاية – وعلى كل حال - قد تمخض كل ماكان يعتمل فيه إلى انتهاء وإن اختلفت صورته

لقد استطاع الشاعر في براعة لافتة أن ينسج شعره على الماء دون أن يتحرك به !

وأقصد من ذلك أن من يصنع هذه اللوحة الفنية وينقش هذه الصورة الشعرية نسخة متطابقة تماماً عن التجربة الشعورية في أوجز كلام وفي أبسط التعابير وبأقل التكاليف الصورية والتراكيب المعقدة كمن يملك القدرة الكبيرة على الرسم فوق صفحة الماء دون أن تهتز الصفحة أو تهتز الريشة في يده
إبداع في ثقة وفي تمكن كبيرين جدا !

وأعود أكرر ماقلته عن النص في مكان آخر :

" تراكم عنوان لخص حالة المرء باختصار وهو يصارع فوق أمواج الحياة وكأنه من ماء وفي ماء
وكون الشاعر تعتلي صهوة الماء فهذا لعمري أصعب المراكب وأشدها حيث لابد من صراع واتزان وتواكب مستمر لايهدأ !
وهو نص يمثل صورة فنية وحدوية المبنى والشعور بدأت بتدافع وصراع يبدّده القيظ أحيانا أخرى لكنه سرعان ماينتهي إلى صفاء وسمو!
وظني أن هذا هو حال المسلم مع الأكدار والعقبات تطهره وتصقله وتشحذه حتى يصفو ويرق ويسمو "

يبدو أنني قد ثرثرت حول هذا النص كثيراً , لكن أرجو أن أكون قد وفقت في الغوص فيه وكشف مكنوناته وتحليل مكوناته وتعليل اختياراته لغةً وحساً وصورةً .
مع تحيتي وكل تقديري












عرض البوم صور محمود النجار   رد مع اقتباس
قديم 01-17-2010, 04:05 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
محمود النجار
اللقب:
عميد تجمع شعراء بلا حدود /شاعر / مجلس الحكماء
 
الصورة الرمزية محمود النجار

البيانات
التسجيل: Jan 2010
العضوية: 4
الدولة: الأردن
المشاركات: 4
بمعدل : 0.00 يوميا
الإتصالات
الحالة:
محمود النجار غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر MSN إلى محمود النجار إرسال رسالة عبر Yahoo إلى محمود النجار

 

كاتب الموضوع : محمود النجار المنتدى : الــقــراءات الـنـقـديـة في الـشعـر
افتراضي

"تراكم" الأنا بين المُصرَّح به والمكتوم في قصيدة "تراكم" للشاعر الفلسطيني الكبير محمود النجار
د. عبد الله كراز



تقديم:
دلالة العنوان "تراكم" ورمزيته تشيان ببوح صاعدٍ من عبق التجربة وتفاصيلها وزخمها وفلسفتها الرؤيوية والوجودية التي تغوص في عالم الذات الإنسانية والشاعرة، كما ويدل على تكدس سفر الحياة لدى الشاعر بكل إحداثيات التجربة وطقوسها والتي استدعت استحضار صور "الماء" التي تدخل في تناص مباشر مع الديني والتصوفي والأسطوري والطبيعي والرومانسي والتخليقي. ومع كل هذا ذاك يتداخل الخاص في العام والعام في الخاص على التوازي، بحيث يخلق النص حالة إنسانية من التماهي والتوحد مع الذات الشاعرة.

كموجٍ تدافعَ ..
وهنا يكمن سر القصيدة حين تتجاوز حدود المكان والزمان عبر بوابة الماء بصورته الفيزيائية الطبيعية "الموج" الذي يجمل شكل المسطحات الطبيعية والتي استلهم الشاعر منها صور التجربة التي لونها بيراع حروفه الشاعرية، رسماً للمشاعر وتلويناً للأحاسيس التي تفاعلت في وعيه حتى خرجت "كموج" يتدافع ويتدفق:
حتى اعتلى صهوةَ الماء عمري
ليكون للتصريح بالشئ الذي دخل المجاز فيه وعليه هو العمر بدلالاته الزمنية ومراحله المتباينة في خواصها وفعلها وطقوسها، منسجماً مع الطبيعية الفيزيائية التي خرج الماء على شكلها، وحيث يكمن هنا شخصنة من نوع آخر في تجاور "صهوة" مع "الماء" وهو تجاور يثير دلالات عدة منها حركية الماء/السائل المتفاعلة في وعي الذات الشاعرة ومنها الحياة المستعرة بكل ظلالها ومنها تطور الحدث في مرحلة متقدمة من العمر ووصولها للذروة القصوى في تقدير الذات الشاعرة. ومنها قوة التدفق والدفع التي تسيطر على فضاء المادة السائلة بما تشير إليه من تناص مع القرآني والديني والخلقي إذ "وجعلنا من الماء كل شئ حي." ولكن من الفاعل ومن المفعول هنا: الفاعل هو العمر بكل مراحله – أو لنقل مرحلة متشظية في تقدير الشاعر وطقوسه الحياتية – والمفعول هو "صهوة الماء،" لنجد الاجترار المائي هنا ملزماً لشاعرية النص ودلالاته. كما أن الماء في "صهوته" يستحضر فعل الأسطورة التي تشير إلى الماء كأحد أهم مكونات الطبيعة البشرية وديمومتها. فالماء عكس النار التي تستعر في "عمر" الشاعر، ومن سار سيره في السيرة الإنسانية التي يتحدث باسمها – وعنها - الشاعر هنا.
ولأن النص بدأ سريعاً في نبضات بوحه، بعد أن يكون قد تحول العمر – شعرياً وواقعياًَ – إلى موج يتدافع بكل ما أوتي من قوة تدل على نية ورغبة شديدة وإصرار – يوازي إصرار الصوت الشاعري - في التدافع والتدفق والتواصل، لكأننا أمام مشهد لم يكتمل بعد أن يكون قد بدأ بهذه الطريقة.
ثم يتحول النص وبطريقة الإزاحة الفنية والثيماتية والدلالية والأسلوبية من الحديث عن الماء وصهوته وتدفقه وتغطيته مساحة واسعة من خيال الشاعر وفضاء النص، ومع حالة من التشظي والتنافر/التضاد والتعاكس – بدلالة الثنائيات المتعاكسة في عرف النقد التفكيكي – يفاجئنا النص وسياقاته بالشمس التي احتدت وقت الظهيرة، وهو ما يخلق حالة من الصراع الطبيعي بين أن أكون أو لا أكون وبين المستقر والمتشظي، وبين الماء والنار/الشمس، بحيث يكون الوقت لهذا الصراع هو "الظهيرةِ" المتحولة إلى "قيـظٌٌ" يتأجج ليفعل فعلته في لا وعي الشاعر بتلك اللحظة، وهنا تأتي الشمس منغصة تريد أن "تبخر" الذات الشاعرة الإنسانية، وهو مكمن حلم أو رغبة جامحة في الأنا الشاعرة في التخلص من حالة صعبة ومحرجو ومقلقة. ليس هذا فقط بالطريقة ذاتها وبشاعرية واعية يحرص الشاعر فيها على توظيف صور الزمن والعمر بكل حنكة واقتدار، حتى تطال الصور الثواني بكل دلالاتها وأدق تفاصيل الحياة في قياسها العمري أو الزمني:
ويقضمُ عمرَ الثواني
التي تحولت إلى إنسان يراكم إنساناً آخر في مستوى القوة والتحدي والإدراك، ولكن بحالة من الغرابة والعزلة والتشظي المستمرة، وهنا دلالة على شعور الأنا الشاعرة بالاغتراب والوحدة والألم والقلق:
راكمتني هناك غريبا ..
لتجعله عرضة لكل ما هو طارئ وخطر ومهدد لكينونته وحياته واستقرارها، وخاصة أن الشاعر يستمر في تشخيص أدوات صوره وشخوصها المعنوية تارةً وأنسنة الكائن الآخر تارةً أخرى، خلقاً لحالة من التوازن بين "الأنا" و"الهو" في دائرتي الوعي واللاوعي على حد سواء، ما يعمق المعنى والدلالة والفكرة:
فلا سترَ دوني ..
ومن وحي واقعية التجربة – بعد استرسال في الإتيان بالغريب المعتمل في لا وعي الشاعر – وقربها من اليومي، يواصل الشاعر بوحه بخاصية الأنا وضميرها المتسيد للنص، وقد يعني في جانب ما أن لدى الشاعر أنا متضخمة نتيجة تجربتها المؤلمة ورغبةً في البحث عن الأنا الأكثر استقراراً وطمأنينة:
ومهما علوتُ
أعود كما كنتُ
ذرةَ ماءْ ..
رذاذًا لطيفًا
لنتوقف متأملين هذه اللوحة الأخيرة التي أتى بها الشاعر بكل فنية ومعرفة ووعي. حيث أن الذات الشاعرة التي تعتمل – وربما تحاول الاكتمال والتطور والتأقلم مع مستجدات الوعي والتجربة والخبرة – تصرح بكل تواضع وحكمة أنها – كما أي إنسان مخلوق من طين وماء – مهما حصلت من مكانة رفيعة وعليّة في موقعها ومجتمعها ومحيط حياتها ودائرة الكينونة ستبقى أولاً وأخيراً من جنس الإنسان المخلوق من مكونين أساسيين اثنين: الماء والطين (مكرساً الشاعر صورة الماء وغياب الطين عن قصد إثارة لدلالات روح الماء ومعناه وقوته في جعل كل شئ حي، وتأكيداً لشاعريته وفكرته مما جاء به النص الدينين وفي هذه تناص قوي ودلالة على معرفة وثقافة الشاعر الصوفية والدينية.
وكأنني أقرأ أنه مهما علا طائر (إنسان) في السماء إلا وكما ارتفع عن الأرض وقع. فالتواضع من شيم البشر والعقلاء واعترافهما بقدراتهم وحكمة من لدن عارف بمجريات الحياة، فالموت والخلاص والحياة والفناء والنجاحات والإخفاقات مسببات لكل تفاعلات الإنسان في كل مراحل العمر عبر الزمن كله، ومظاهر قصوى في حياة الإنسان – أس إنسان.
ولهذا نرى الشاعر جاء بتقنيات التكثيف والإيجاز والإزاحة والتجاور والتصويرات الواقعية المستمدة من الطبيعة بكل رومانسيتها ودلالاتها للثورة على المألوف والمبتذل والممتهن، تثويراً للغة وتفجيرا لطاقتها، كيف لا ونحن أمام مشهد مائي في كل الصور والتفاعلات والدلالات. ويبقى أن النص – برغم بوحه المكثف يبقي أسراراً أخرى طي الكتمان ربما لخصوصية الفكرة وذاتية التجربة المتفردة والتي لا يريد الشاعر أن يغرق النص بها ويفسد متعة القراءة والتلقي، إعمالاً لفائدة النص وإذكاءً بروح الفكرة.


أخي أ. محمود.... كن بخير ومزيد ألق
محبك د. عبد الله حسين كراز












عرض البوم صور محمود النجار   رد مع اقتباس
قديم 01-17-2010, 04:08 AM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
محمود النجار
اللقب:
عميد تجمع شعراء بلا حدود /شاعر / مجلس الحكماء
 
الصورة الرمزية محمود النجار

البيانات
التسجيل: Jan 2010
العضوية: 4
الدولة: الأردن
المشاركات: 4
بمعدل : 0.00 يوميا
الإتصالات
الحالة:
محمود النجار غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر MSN إلى محمود النجار إرسال رسالة عبر Yahoo إلى محمود النجار

 

كاتب الموضوع : محمود النجار المنتدى : الــقــراءات الـنـقـديـة في الـشعـر
افتراضي

مقتطفات سريعة بين لغة (تراكم) للشاعر محمود النجار و بيانه و عروضه و خياله
د. عمر هزاع


تـراكـــم ..


كموجٍ تدافعَ ..
حتى اعتلى صهوةَ الماء عمري
ولكنّ شمسَ الظهيرةِ قيـظٌٌ
يبخّرني ..
ويقضمُ عمرَ الثواني التي
راكمتني هناك غريبا ..
فلا سترَ دوني ..
ومهما علوتُ
أعود كما كنتُ
ذرةَ ماءْ ..
رذاذًا لطيفًا .. !!

محمود النجار



- سَلسَلةُ النغم الطري الملس المتقطر عذوبة سمت شاعري متألق في نصوص النجار حيث تجدك مقحمًا في غنائيته مدندنًا إياها و كأنها معزوفة عالمية شهيرة أو ترنيمة ذاتية تنطلق من نفس قارئها و ليست من قريحة صاحبها النجار فحسب , و هذا مما يميز شعره كافة فأنت تقرأ للنجار شعره كأنك تقرأ أحاسيسك مكتوبة على الورق
يلعب في ذلك دورًا حسه المتدفق و صدق مشاعره و خبرته الطويلة في انتقاء الأجود فالأجود .

- سَلسَلة الفكرة من مطلعها لقفلتها تأتيك كما عبر عنها في قطعته الشعرية المكثفة الخيال كأنها موجة برغم احتدادها تنساب منسجمة مع دفق المد الشعري لتصل بك إلى شواطئ الجمال في نفس و فكر الشاعر

- سَلسَلةُ النهوض بالغرض عبر ما فسره أخي الناقد الكبير محمد علي مصطفى بالتصوير بالقفز هي بديعة أخرى من صنع شاعرية النجار
فهو يترقى بقارئه من موضع قدمه الأولى و في أولى الخطوات وصولًا إلى الخب فالهرولة فالعدو نحو موضع الارتكاز لكي يستند على مفصل القصيدة فيقفز قفزته الذكية بين شطري الحياة
حياة الكهولة التي لا توحي بالنهاية بل بالتجدد كما عبر عنها بعودة البدء ( أعود رذاذًا .. )
و
حياة الشباب التي عبر عنها بتدفق الموج و عمره الذي امتطى صهوة الماء هياجًا - و لكن - شمس الظهيرة ..
و هذا الاستدراك الخطير الذي يمفصل به النص فتنحبس الأنفاس مستشفة ما وراء هذه الـــ : لكن
فيقبض علينا النجار في حالة من ذهول و دهشة لذيذة يخشى علينا فيها من الغرق في لجة سحره و شعره فيمنحنا بعدها دفقة حانية في نزوله - بعد أن وصل بزانته إلى قمة التصعيد الحسي و الفكري - الواثق ليحط على أرض الواقع من جديد
جميلة هي القفزة الشعرية التي تحلق بك في الخيال و تعود بك للواقع فلا تجد انفصالًا بينهما كمن تسوق له أحلامه رؤى من واقع حياته و عندما يستيقظ منها يدرك في قرارة نفسه ما كان عليه من حلم و ما الدافع في لا وعيه أو عقله الباطن لتخليق مثل هذه الرؤى التي استمدت نبضها و صورها و دراماتيكيتها من الواقع الحقيقي المعيش ..
و سلسلة القفزة هي مهارة شاعر يعي أبعاد نصه و مقاييس الفن البذاخ فيه فلا يغرقك فلا نجاة , و لا يعدك بالغوص فتفجؤك الضحالة
هو اقتدار عبقري التصوير و لا شك , و ليس في هذا مزيد .

- سَلسَلةُ دورة التكوين و الاتكاء على التناص القرآني ( و جعلنا من الماء كل شيء حي ) .. الأنبياء :
و كلنا - و لا بد - قد قرأ عن دورات حياة الكائنات و تطورها من مرحلة لأخرى , فيقول في نفسه :
سبحان الله المبدع الذي أحسن كل شيء خلقه و الذي أهدى مخلوقاته سبل حياتها و تطورها و الذي يبدأ الخلق ثم يعيده
و النجار بذكائه بقتنص الفكرة فيعبر عنها في هذه القطعة الشعرية - إن صح التعبير - بدورة الماء ذاته ( و الذي هو أساس الحياة ) في التحول عبر سلاسل أشكال الميوعة فالتسخين فالبخر فالتصعد رذاذًا ليترك نهاية مفتوحة برغم انغلاق الدورة المائية أما قارئه الذي يدرك أن الماء و لا بد عائد - بعد تبخره - إلى الماء - السائل - من جديد

- سلسلةُ لغة النص :
ربما من المدهش حقًا أن يتمعن القارئ في النص مع مثل هذه السلاسل ليدرك نوعًا آخرًا من تطور اللغة عبر هذا المقطع الصغير :
فمع تطور الفكرة و الحدث و تفاقم الشعور و التخييل و اتخاذ الصورة بعدًا أعمق و تفاصيل أدق و أكثر , يترافق تدفق لغوي بلاغي في أكثر من مفصل من مفاصل النص :
حيث ينطلق النص سهل اللغة على خارطة ممهدة التضاريس ثم لا يلبث أن يصطنع لنفسه فيها معالمه الخاصة من جزالة لفظ ( ظل برغم جزالته سهلًا ) و هذا ما أسميه الممتنع
و تندر فكرة بأسلوب شعري يتطور مطورًا معه ذهن القارئ في جمل بلاغية التركيب من تقديم المشبه به على المشبه
و تخليق حالة تثويرية في النص باللعب بحدقات القراء بين مفرداته التي تميس كموج العمر الذي اعتلى صهوة الماء فلفحته الشمس فطيرته رذاذًا لن يلبث أن يسَّاقط من جديد كماء مائع يتجدد كموج آخر ..
و ما يجدر ذكره هو عنونة النص بمفردة جد بلاغية محفورة في عمق القصيدة
و هي :
تراكم , و هلموا ننظر مليًا في معنى التراكم لنعلم ما الذي دفع بالنجار لأن يتخير لنا هذه اللفظة عنوانًا مختارًا ..

ركم : الرَّكْمُ : جمعك شيئاً فوق شي حتى تَجْعله رُكاماً مركوماً كركام الرمل والسحاب و نحو ذلك من الشيء المُرْتكِم بعضه على بعض.
رَكَمَ الشيء يَرْكُمُه إذا جَمَعه وأَلقى بعضه على بعض، وهو مَرْكُومٌ بعضُه على بعض .
وارْتَكَمَ الشيءُ وتَراكَمَ إذا اجتمع.
ابن سيده : الرَّكْمُ إلقاء بعض الشيء على بعض وتَنْضيده ، رَكَمَه يَرْكُمُهُ رَكْماً فارْتَكَمَ وتَراكَمَ .
و شيء رُكامٌ : بعضه على بعض .
و في التنزيل العزيز : ثم يجعله رُكاماً ؛ يعني السحاب .
ابن الأعرابي : الرَّكَمُ السحاب المُتَراكِمُ .
الجوهري : الرُّكامُ الرمل المُتَراكم ، و كذلك السحاب و ما أَشبهه .
و الرُّكْمةُ : الطين والتراب المجموع .

فالناظر أعلاه يرى استدارة حالة الماء أو ما سميناه بدورة الماء الطبيعية من الميوعة للسخونة فالبخر فالتصعد فالــــ : تراكم , فالهطل ماءً من جديد
و هنا يكمن ما أسميه بدهاء الشاهر لا ذكاؤه فحسب
فلماذا تخير النجار التراكم كعنوان للنص كافة ؟؟
من وجهة نظري : لأسرار بليغة عميقة الأثر
فالنجار كما يقدم نصًا سهلًا واضحًا لقارئه البسيط فهو على ذات القدر يدفع بذات النص لقارئ مثقف و اعي مدرك للجمال و لخفايا اللفظ و معانيه و بواطن البلاغة التركيبية المنسجمة فيه
و لنرى ما يسبره القارئ الذكي من أسرار اللفظة العنوان :

جاء العنوان ليعبر بذاته عن نوع من أنواع التناص القرآني المترابط مع التناص الذي تحدثنا عنه أعلاه ( و جعلنا من الماء كل شيء حي ) في تناص آخر في ( ثم يجعله ركامًا ) من سورة النور
( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ )
و الحديث هو عينه عن الماء في الطور الذي تعمد النجار إخفاءه وهو طور السحاب أو تشكيل الغيوم
فلمذا تعمد النجار هذا ؟؟
هو من باب الخواتيم المفتوحة التي تمنح النص أفقًا واسع الرؤى
و النص بين تراكم الشباب و تراكم الكهولة و تراكم بدء التكوين هو حالة تراكمية تسلسلية في كل شيء
و هذا ما حذا بي أن أعنون مقالي هذا : بــــــــ

سلسلة النص في تراكمية النجار

و لا يفوتني أن ألمح ملمحًا آخرًا في دهاء النجار عندما تفرد بالماء كأصل التكوين ليوافق عذوبة نصه طاردًا فكرة الطين و تخثر المادة فيه و مبعدًا شبح الوحل و اللزوجة عن فضاء نصه الروحاني هذا , ولكنه في جانب من جوانب سهله الممتنع - كما أعلنتُ قبلًا - يشير من خلال العنوان إلى بطانة معنوية من تراكم الرمل و الوحل كما يفضحه المعجم في شرح مفردة التراكم
فلله درك أيها النجار كيف فعلت بنا هذا ؟؟
كنت أعلم أن كثيرًا يتساءلون عن سبب اختياري لهذا النص على إيجازه و اختزاله
و لكنني فيما سقت أعلاه أوضحتُ أو لعلني أكون قد وفقت في ما أردت من تبيان , فهو نص يوازي معلقة وجدانية على جدران القلب يحكي سفر الحياة و أطوار و أنماط مراحلها و دورة بدئها و منتهاها في تسلسل منطقي عبقري النحت في جدران الخلود
بوركت أخي و شاعري الحبيب لما منحتنا من فسحة في التحليق معك في فضاء الشعر الجميل
و لي ملاحظة واحدة أخذتها سلبًا على مفردة كنت لتأتي بأنسب منها في موضعها
و هي ( ذرة ماء )
فلو كانت قطرة ماء لكان هذا أنسب و أكثر انسجامًا
فالقطرة في مفهوم الشعر العذب الذي سال هنا سلسلًا من جمال هي أنسب من الذرة لأنها أحف بالشعر و لأن الماء في ح ذاته لا يقاس بالذرة فالماء جزيئة في أصله مكونة من نوعين من الذرات
و لكن يبدو أن الفكرة العلمية في تدوير تحول الماء قد استولت على ذهن شاعرنا ففضل الذرة على القطرة لمناسبة الحديث العلمي
و لكنها برأيي - مع شديد تقديري و اعتذاري - خدشت رقة و مناسبة المعنى
و الرأي لصاحب القصيدة
مع حبي و اعتزازي و جليل تقديري












عرض البوم صور محمود النجار   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2010, 04:07 AM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
الشاعر لطفي الياسيني
اللقب:
الرئيس الفخري للجمعية
 
الصورة الرمزية الشاعر لطفي الياسيني

البيانات
التسجيل: Jan 2010
العضوية: 118
الدولة: فلسطين القدس الشريف
العمر: 96
المشاركات: 21,818
بمعدل : 6.05 يوميا
الإتصالات
الحالة:
الشاعر لطفي الياسيني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

 

كاتب الموضوع : محمود النجار المنتدى : الــقــراءات الـنـقـديـة في الـشعـر
افتراضي

شاعرنا الكبير واستاذنا الفاضل محمود النجار
جزاك الله خيرا وبارك الله لك وعليك

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة












توقيع الشاعر لطفي الياسيني

http://www14.0zz0.com/2013/06/06/21/706077980.jpg


عرض البوم صور الشاعر لطفي الياسيني   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سوريا الله سيحميها/ نسخة إهداء لتجمع شعراء بلا حدود وأ. محمود النجار ياسر طويش ديوان خاص بالشاعر ياسر طويش 4 08-23-2011 09:39 PM
ترجمات لنص تراكم لمحمود النجار محمود النجار القصائد المترجمة 2 01-18-2011 06:22 AM
الممكن المستحيل / محمود النجار محمود النجار المنتدى العام (سياسي/ فكري) بإشراف أ.د. أحمد مليجي 11 12-29-2010 04:31 AM
إذا كان ضميري فلسطينيا / محمود النجار (ترجمة إلى الفرنسية) محمود النجار القصة القصيرة جداً 6 12-20-2010 09:01 PM
ترجمة قصيدة " تراكم " / محمـود النجـار ايمــان عبد الله القصائد المترجمة 2 04-18-2010 11:09 AM


الساعة الآن 07:02 PM.

جميع الآراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا علاقة لإدارة الموقع بها

Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Translation by wata1.com