.............
 

آخر 12 مشاركات
>> >> وسائل جاهزة لمواجهة الانتفاضة العراقية >> >> >> ... خبير قانوني: قرار حل مجالس المحافظات لا قيمة له قانونا تونس... أكثر من مليون و٣٠٠ الف شخص تقدموا لمنحة طوارئ العاطلين عن...
حكاية البيت الذي تصدر منه أهم القرارات في العالم عراقي ترك طفلة تعطش حتى الموت .. يُسلّم للمحاكمة بألمانيا بـركان الغـَـضب : ميسون نعيم الرومي
تصاعدت أبخرة البركان العراقي، فهل سينفجر؟ علي الكاش محنة الأكراد.. دروس مستمرة ولا من معتبر : د . سعد ناجي ... هذا مايحصل في العراق وسوريا والیمن حيث تحتلهم ایران وتركيا...
>>> >>> العراقيون يريدون وطناً >>> داود... صور من موسم قطف الزيتون في فلسطين “القدس العربي”: بدأ... بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الرابطة الوطنية...


رجوع   الجمعية الدولية الحرة للمترجمين واللغويين العرب واتا > بوابة الدولية الحرة ( للآداب الإنسانية والعلوم التطبيقية) بإشراق الشاعر أ. د. >  واحة الشعر القديم والحديث ( فصيح نثر عمودي تفعيلي )يإشراف الشاعر أ. > الــقــراءات الـنـقـديـة في الـشعـر
الإنتساب المساعدة قائمة الأعضاء التقويم محرك البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 01-02-2011, 02:26 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
حسن العابدي
اللقب:
شاعر وأديب
 
الصورة الرمزية حسن العابدي

البيانات
التسجيل: Dec 2010
العضوية: 1087
الدولة: بلاد الله الشرقية
المشاركات: 10
بمعدل : 0.00 يوميا
الإتصالات
الحالة:
حسن العابدي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

 

المنتدى : الــقــراءات الـنـقـديـة في الـشعـر

الحسن العابدي:
فواصل صائتة من سيمفونية الفرح البائت
قراءة في ديوان"للأزهار رائحة الحُــــزْن"(*)

- احتشدت على الخارطة الشعرية المغربية أسماء كثيرة محسوبة على الحساسية الجديدة /الحداثية بأنساقها الدرامية ورؤاها التراجيدية ومسوحها الرومانسية، وارتضت لتجربتها ان تشدو على أدراج النثيرة ، والتفريخ في رياض اللغة المنطلقة.ومعظمها أسماء انغمست بكل حواسها الشعرية في سديم الواقع العربي الحديث بحسبانه صورة إيكوغرافية للواقع العالمي المنخور بالايدولوجيا.
وعلى اختلاف طرق أدائها، لم تستطع كوكبة من الشعراء المنتمين إلى هذا التيارأن تقبرانشغالها العميق بالشأن الخاص في جغرافيا الشأن العام.بل نحتت من الشأنين تضاريس وبيئات شعرية بمواصفات خاصة، احتلت فيها الذات الصدارة في التعبير المشحون بالوعي والأمل والطموح المباطنين للأنين والرغبة في التوحد بالكون، والتوق إلى الارتباط بالآخربحبل سري تدوفه اللغة الشعرية على كيفها.
ابراهيم قهوايجي واحد من هؤلاء، مبدع تواطأ مع الكلمة في محفلي النقد والشعر منذ زمن، وأعلن عن كينونته الإبداعية من خلال إصداره الشعري البكر"للأزهار رائحة الحزن".
والعنوان تسمية قصدية وبليغة، تتصادى بشكل هارموني مع أصوات شعرية سابقة وخاصة حسن الامراني في مجموعته" الحزن يزهر مرتين"1974، ثم شارل بودلير في مجموعته"أزهار الألم ، أو أزهار الشر"، والعهدة على الترجمة، ثم إسماعيل زويريق في "شبابة الألم"، وآخرون....
لقد عكست الكتابة في أزهار إبراهيم قهوايجي ظلالا من المجاز يؤثثها الحزن وتذكي الرؤية كثافتها التخييلية.
أكيد أن صاحبها تعلم أبجديات اللغة اللاهبة وأسرارها الشاخبة التي طالما احترقت بحروفها أفواه، من قاموس الذات قبل أن يعمدها بمداد الروح، وهمس اللغة.
بمقدورنا أن نقول: إن إبراهيم قهوايجي اعد لنا، في أباريق لغوية، قهوة شعرية مضبوطة، راهن على أن يكون مزاجها من فرح بائت، معطرة بمشتقات حزن بري صائت، تضرب بمسك المعنى في كل اتجاه على طول جغرافيا منجزه الشعري.
وإننا إذ نفترض ذلك، نقايض رهان الشعر عنده" رائحة الحزن" كما تسميها الكتابة، برهان الذوق والمتعة والفائدة، في قراءة تتوسل بالوصف والفهم والتأويل، وتستسعف بالسؤال وسائر آليات التحليل الكفيلة بولوج عالم الكتابة غير المرئي، قراءة تفكك، وتملأ بياضات النصوص لتعيد البناء والتركيب.
رسم مبدعنا بألوان صافية كينونته الخاصة وبمفردات مأنوسة ورؤيا شفافة هيأ لها من المطارف والحشايا، ما يؤثث حدائق المعنى المسيجة بأغراس الروح.
أثمرت هذه الرؤية مصفوفات لغوية تتحدث بلسانها عن صاحبها هو، وعن نفسه تحكي بأنفاس حرى تغترف من صنوف الزهر/ الرمز / مباهج الحياة أشداء تتضوع حزنا.
هكذا تعلن الكتابة عن برنامجها الدلالي الذي تتحدد بموجبه دائرة اشتغالها العلامي، بشكل أليغوري، شعرية الحزن كموضوعة او قناع. هذه الحالة الوجودية التي تدمغ إقامة الانسان في هذا الكون، وتطبع احد وجوهه المقابلة للفرح، وكلما كانت أحرف الدمغة بارزة غدا الحزن طابعا مميزا للانسان"الحزن رفيقي" كما ورد في الأثر النبوي.
وحيث إن وجود الانسان في هذا العالم – بحكم خصائص النوع البشري- هو وجود واع بالأساس، كان الوعي مدعاة للشقاء ارتفاعا وانخفاضا بالاستتباع، وبالتالي كان الشقاء مجلبة للحزن او القلق، بمعناه الوجودي، لا بدلالته السلبية، وإلا أصبح حالة مرضية.
في معهود التجربة وحقائق الاشياء، للازهار رائحة/ روائح، لكن كيف بالرائحة منسوبة للحزن وقيدا له، والحزن دال معنوي، غير محسوس مجرد من اللون والطعم ولا شكل له ولا يمكن أن يقع عليه الضوء؟ ما المقصود بالأزهار في مرموز الكتابة، وهل يكفي أن نسلم بمنطوق عبارة العنوان التقريرية؟
وحيث إن الوعي فردي بالتعريف/ الوعي بشيء ما. والحزن حالة تقترن بموضوع أو موقف. فما طبيعة هذا الوعي؟ وطرق اشتغاله الفني؟
تضعنا عبارة العنوان أمام تنافر دلالي كعتبة اولى يجب تخطيها إلى فضاء نصوص المجموعة الشعرية لاستجلاء طبيعة العلاقة بين أطراف المنافرة الدلالية.
تستوطن نصوص المجموعة الستة عشر66صفحة من أصل81صفحة، وتقع فيما بين الاهداء وآخر إضاءة نقدية بقلم بهيجة مصري إدلبي، بعد أول إضاءة بلغة واصفة تتصدر مساحة المكتوب الشعري منالصفحة1 الى الصفحة12 بقلم الدكتورة أسماء غريب. هذا قبل ان تقفى دفة الكتاب اليسرى على أثر العتبات / المصاحبات النصية،بإشارات تضيئ تجربة الشاعر من زوايا نظر مختلفة"قالوا" تتعلق على التوالي بكل من د محمد حسن السمان،ابراهيم خطاب، د سلطان الحريري،أسماء حرمة الله، وأخيرا عبد النور ادريس.
تؤدي هذه الاضاءات- المنبعثة من البيئة الثقافية التي أبصرت فيها تجربة الكتابة، ومن خارج هذه البيئة-، وظيفة الشهادة التي تضع التجربة الشعرية في صلب الاهتمام النقدي، وتشرعها على كل أشكال التلقي المحتملة لاحقا.
نفترض بداية أن وظيفة الحكي او الاخبار التي اضطلعت بها صيغة العنوان الستاتيكية، في شقها الاول"للازهار" هي تجسيد لتمظهرات حسية تشير إليها اللغة بمفردة"أزهار" ولا تسميتها.فيما يتحدد الحزن كطرف أخير في معادلة التركيب، كمدلول لاثر نفسي تترجمه مفردة"رائحة" كعلامة تعين هذا الأثر المعنوي، وتمعنيه بشكل حسي، من خلال أبنية اللغة ونسيج النصوص الدلالي. وعليه يمكن تسطير الاستنتاج الاولي التالي:
ثمة شيء ما غير عادي/ مزعج، يجعل من إقامة الصوت الشعري في اللغة ومعه الذات الشاعرة في العالم، امرا مقلقا، أجواؤه خانقة لا تساعد على التنفس الطبيعي والاستنشاق السليم،" الوقت منقوع بسم الأفاعي". وحدها الذائقة الشعرية من خلال حاسة الشم الرفيعة عند ابراهيم قهوايجي تستشعر ذلك، مما املى على الصوت الشعري في هذا المنجز الشعري ان يلتف حول نفسه، وجعله لا يمتح إلا من معين الاحساس الذاتي ومعجم النفس:
" ساهما والحزن يلفه / يغني للفرح البائت
يكتب في دفتر انكساره أشعار الميلاد".
لذلك كان ثالوث: الازهار والرائحة ثم الحزن هو مادة اشتغال الكتابة وخطاطة تؤشر بالأحرف الأولى على معمار الدلالة، وطبيعة الرؤية القاتمة أولا على مردود الكلمات المعجمي، تمهيدا لانتاج الدلالة الفنية في مختبر اللغة الشعرية الملابسة لسياق النصوص وهي:" تُسْرج خيول الانزياح لتنجب رغوة الكلام وتقشر رئتها في صدإ الايام".
- مادة الأزهار ومعادلاتها في مفردات الطبيعة:
زنبقة، سوسنة، وردة، مروج الورد، حقول الزعتر، الزنبق، الزهر، الأقحوان، البنفسج، نعناع، شقائق النعمان،صبار، زهور، زيتونة، الزهرات، باقة ورد، الزهرة الجبلية، الياسمين...
- ظلال الرائحة كأثر حسي:
عطر وردتها، عطر الذين عشقوا، ترسل عطرها،أشم عبق الحياة، هواء بخيل على رئتيك، رحيق الحزن، رياحين المعنى، يتنفس الصبح حزنك، عطره انتشر سريعا...
- الحزن ومشتقانه:
الوجع، الفرح البائت، انكساري، الجراح، انهزامي، حزني على كتفي، الفرح الحزين، الغربة الجارحة، القلق، غيوم حزن ماطرة،أغزل به الحزن، جمر الالم، تلال الحزن، مدائن حزنك، يخلع أوجاعه، يدحرج أسرار حزنه، الحزن شجرة، الاشعار المغتالة بالالم، فرح خادع...
يسعفنا هذا الجرد المعجمي السابق في إبداء الملاحظات التالية:
- هيمنة المعجم الدال على حقل النفس"الحزن" واحتلال الذات/الأناالشعرية بؤرة البوح والاسرار والاشعاع المتبادل بين النا والآخر والعالم:
1- كسرت قنينة بوحي على جدار اللغة/ لعلي أشم عبق الحياة ص69
2- أجمع ما تساقط من حزني في مياه حياتي
3- في خلايا قصيدي/عيناك غابتا حزن ساعة السحر ص66
4- تطاردني الجروح وأنا جريح النهاية .
- إشراب الأزهار ومرادفاتها دلالات جديدة يحددها السياق بمنأى عن الدلالة المعجمية الباردة:
1-" لتزهري زيتونة في مكناس" والخطاب موجه الى انثى.
2- "خذ من حلمي وردة تهش بها على شوارعك المرسومة على خارطة السواد"، وهنا الوردة رديف للامل، النور، الحياة...
3- " لا اسم لها تلك الوردة" عنوان قصيدة توجه بها الشاعر الى أنثى:"الى البتول المحجوب في صحراء الوقت انسانة وقاصة"ص59
والعبارة علامة دالة تسمح لنا بإقامة التقابلات التالية:
أ- البتول المحجوب: وردة، بما يحمله اسم الوردة في دلالات ثقافية معروفة:
ب- وردة # صحراء الوقت، إشارة الى التعارض بين عالمي الجمال والقبح.
ج- وردة= انسانة وقاصة، باعتبار ان الانسانية عملة نادرة، والابداع قيمة مضافة ترفع العالم المدنس"صحراء الوقت" إلى مرتبة المقدس أو الجميل على الاقل، واسم "الوردة" في اطلاقيته" لا اسم لها" يكتنز هذه الدلالة ويفضي بها.
في ضوء ما سبق، تتحدد هوية الكتابة في هذا المنجز الشعري باعتبارها ورشة، تتخذ لغة التواصل مطية تتخلق من أمشاجها أخرى ذات أبعاد جمالية وليس نفعية في سمتها العام. فعلى امتداد المساحة الشعرية، تستوقفنا تراكيب اصطفت في مبناها مفردات يجمعها لأول مرة، علاقة إسناد جديدة ، مستمدة من عوالم وسجلات مختلفة من قبيل ما هو مسطر تحته:
- " وأنت ياشاعري تحمل سقوف مجازاتك/ وتمضي
والوقت منقوع بسم الافاعي/ ورقص الأغاني " ص41
- محلقا في مشفى عزلتي/أجمع ما تساقط من حزني"
- " أحتسي موتي الممزوج بعصير الحزن" ص46
- " بحجم ضياعي في رحيق الحزن" ص47
هكذا تنتقي الكتابة الشعرية من سجل التجربة وأرشيف الذاكرة صورا يعاد انتاجها بأبعاد جديدة، بما يخدم مقاصد السياق، ولعل أهم ما يميز هذا الانتقاء هو الدفع باللغة الى الأقصى حيث المفارقة بين الحزن والفرح صارخة بصوت يجلو نبرة الالم اللذيذ صافية في حنجرة التراكيب، وقد اختارت أنامل الكتابة العزف على أوتار الحزن فتنسمت عبق الالم نديا طريا..
على أساس ما سبق، نتفهم احتفاء الكتابة بأسماء كثيرة لمبدعين وغير مبدعين، احتفاءها بأماكن أثيرة تؤثث فضاءها الرمزي ونسيجها الدلالي، ويترجم هذا الاحتفاء رغبة دفينة وصادقة في التوحد بالكون وتوقا الى تجسير الفجوة السحيقة بين عناصر الوجود وتطبيع العلاقة مع الحياة بشكل يعيد الاعتبار للذات والقيم والافكار/ الدور والمعنى. وقد لعب التراسل بين ضمير الانا والانت وضمائر الغيبة دورا أساسيا في تثبيت أركان هذا التوحد والتدليل على تلك الرغبة في التماهي الجميل مع الموجودات استشرافا للعبور الزمن الآتي:
- " وأنا أكتب أبجدية هذا الكون/ وطقس القيامة يخفي بريق تألقي
سقط الحزن عن الحزن..تجرعا
وأنت تنفخ في الوهم أملا"
- " أنت عاشقة بوجهين: للنور وجه، وللحزن وجوه.
ما بين جرحك وبين الماء تنمو الازهار"
- "وأمي تمد الى النهر زنبقة
والخريف يعيد بقايا صور:
الاحباب حكايات تلك البيوت
والتلاميذ حكايات تلك الفصول
والعبور الى الزمن الآتي" ص14و15.


إن كلمة الزنبقة في هذا المقطع من قصيدة" يقذفني الشوق الى تغريبة أبي والعراق" ص13 تشع بدلالات الاحلام النبيلة التي يغتالها الصراع الضاري بين قوى الخير والشر، وعليه تنهض الزنبقة كرمز متحول، لكل ما هو جميل في عالم الحسن كما في عالم المعنى الكائن عامة،الآخر، الوطن، الحياة..الشعر، الجمال..
لم تتوان الكتابة في تضمين نصوص المجموعة الشعرية مقاطع منتقاة من انتاج مبدعين"شعراء" وتخصيص بعضهم بإهداءات توثق للعلاقة الجامعة بين هؤلاء والانا المبدعة على أكثر من وجه.
ويعد المقطع الاخير من قصيدة" قل قصيدتك وارحل" ص21، الشاهد الشعري الثالث على حوار الكتابة مع نصوص شعرية يربطها خط رؤياوي واحد ويؤطرها فنيا:
يقول المقطع الشعري لأحمد الدمناتي:"
وداعا وما يبكينك جفن/ وما يذكرنك حزن
ولا يفدينك زحف الدموع"
وحيث يتخذ الحوار/ التواصل مع الآخر(إبداعيا) منحى عموديا، تنحو دالية الوطن/ المكان منحى أفقيا، فيغدو الوطن قصيدة/ معنى طافحا بالجراح ويوتوبيا ضائعة تتوارى بين عتمة الوهم ووهم الحقيقة وحقيقة الاغتراب متشحا بالسواد، منزويا في ثياب الحداد، لا يحسن سوى لغة الزنازن والزجر ومفردات الشتيمة والموت، وكيف لا والبارود والنبيذ والنساء حدود ترسم جغرافياه من الجهات الاربع:
"فلتسكن أيها الحرف/ مواثيق الجرح
في وطن حسبته جنة
وحيثما ارتحلت ألفيته جحيما
سأحمل حزني على كتفي وأرحل عنك لأصنع من عشقي
ثورة وقصيدة"
علما بأن "الحقيقة هي طائفة من المجازات والكنايات والتشبيهات، أي أنها باختصار، مجموع علاقات انسانية زيدت حدتها، شعريا وبيانيا، إنها وهم نسينا أنه وهم، إنها مجازات عفا عنها الزمن".*
هكذا تتورط الكتابةفي فكرة الوطن حتى آخر نفس حزين وحارق، ينهض من رماده
الصوت الشعري طاقة تفيض بالحلم والثورة والعشق، وترسو مراكبها على ضفاف المجاز/ القصيدة كآخر ملاذ، لكنه آمن ودافيء بمعاني الأبوة والامومة ومترع بالطفولة، وكل هذه عناصر، تمد كينونة الشاعر / الانسان بنسغ الحياة والتجدد، وبأسباب المقاومة تغذيه كيما ينعتق من ربقة زمن قابوري/صخري/ سالب:
1- الابوة:وحيث أن العراق يرقص على أنغام الدماء، جاء في القصيدة الاولى:
- ها أنت يا أبي تستعذب/ وحشة هذا المكان
يا الذي كان لي عشقه سوسنة(أمل، خلاص، انعتاق)
وحديثه قمرا وانبثاق ربيعي
وما أنت الا جسدي المثخن بالجراح/ وتفاصيل انهزامي ص15
2- الطفولة: بحسبانها حلما ناشئا في ضوء القمر،والخطاب موجه لطفل:
" كنت آخر قطرة رأيتها/ تحفر في النهر حبا
وتفتح أعراسا في مواسم العشق" ص30.
ويسترسل الصوت الشعري في تجلية صورة الطفولة بالضوء والظل وخاصة عبر قصيدتين/إهداءين ، الاولى "سيرة الالم" وهي موجهة الى محمد أمين في مهده، والثانية بعنوان" توقيعات شاعر على صدر دفتر"، موجهة الى حنان وهي"تتسكع في رحلة الحرف"، وهذا مقطع من الاولى يقول:
" ابنا للبحر والجرح كنت
انت البحر../الحلم../ والجرج"ص31
وفي مقام الانبعاث يتضاعف صوت الكتابة بصوت الأنوثة وداليتها القائمة على التخصيب، فهذا مفتتح" توقيعات شاعر.." يقارب هذه الدالية من زاوية التناص والتنصيص على اسم أنثى كعلامة الى حنان قائلا:
" عيناك حين تورقان / تخضر حقول قلبي/ يا حلمي القتيل*
تنثرين أحلامي زهور دم/ على صخور الواقع العنيدة" ص32.
ومن الملاحظ أن مفردات الأنوثة وصفاتها وتوابعها وظلالها، تصب في الحساب الخاص لدالية الانبعاث وتغنيه ومن ذلك:
كاف الخطاب، الماء، تورقان، تخضر../ في مقابل القتيل، صبار حياتي، صخور الواقع وغيرها وفير في النص والمتن الشعري.
يتصادى الحلم مع الرائحة ويقترن بها في أفق يؤشر على خيبة الامل وإفلاس الوقت وعري الوجود من كل العناصر الداعمة والمؤسسة للحياة. ولأن الرائحة/الشعر، فعل حسي شعوري/ معرفة أساسية وأولية، فعليها أدارت الكتابة فعل المعرفة الموؤسسة على الاستحضار وتحفيز الذاكرة واستنفارما تبقى من هسيس الروح والرغبة، فهذا مقطع من قصيدة "امراة من رماد" يقول:
" أرى له بابين:
واحد يطل على الطفل فيك، وهو يزهو بالرغبات والامنيات
وباب به الاحزان، تكبر كلما كبرت الاحلام.
جئتك مضمخا بدمي/ أحمل على كفي جمرة حلمي"ص37.
ومثله آخر من " التوقيعات" يقول:
" كي يحتمي اللحن بالذاكرة"
وثالث يلي ما سبق من قصيدة "خلوة..ظل قصيدة" ص69 ينقل لنا بالواضح والمرموز ما يلي:
" أنا لا أكتب شعرا/ كي أدفن في قلوب العذارى فتنة
بل أرسم حرفا كي أحيا بين الموات
لذلك كسرت قنينة بوحى على جدار اللغة
لعلي أشم عبق الحياة".
واضح أيضا أن الزمن، حسبما تهجس به الشواهد التمثيلية السابقة المفتلدة من رحم نصوص المموعة الشعرية مرتبط بالحلم والطفولة في مؤداهما العام، وسواء كان الحلم مرتبطا بفترة الطفولة أو بلحظات الصحو/ العيش المؤطرة بالزمن الفلكي، أو كان مؤطرا بزمن الكتابة/ لحظات المخاض الابداعي:
1 – فالحلم مخصي، مجهض بالاساس والدليل على ذلك حنين الصوت الشعري الى زمن ولى وأدبر قياسا الى لحظات غير مرغوب فيها تكافؤ الحاضر، تدابر الحلم، تلغيه وفي الأدنى تعمل على تأجيله.
2- التماهي مع الآخر/ الطفل كامتداد للذات، أوهو يمتد فيها، فمع كل حدث يولد في الانسان طفل ويتوارى راشد، ويلتبس الحزن بالفرح، ويتشكل الحزن داء، ويصبح الطفل/ الطفولة، فردوسا مفقودا تشعرنه الكتابة وتعمل على استعادته.
3- الحلول في اللغة والتماهي مع لحظات المخاض الابداعي باعتبار أن اللغة هي مسكن الكائن/ الانسان/ فيها يحيا وفيها يموت، وفي هذا السياق نفسح المجال لمقاطع شعرية لكي تخاطبنا بما نصه:
1- " وأنا ما بين الرغبة والحلم الراحل
تستوقفني عيناك/ ينبوع يعبق بالنرجس والعشق
وبالحرف والقرطاس والقلم أرقب ميعاد الميلاد"ص31
2- تطاردني الجروح/ وأنا جريح النهاية.
بيد أن فرح البدايات يغمزني"ص68
3- " هي ذي الحياة
صرخة يتناسل من جمالها الموت
مساحة للحب
على نعش الحزن" ص46.
نذهب مع هايدغر الى أن " اللغة هي أولا شعر أولي، إذ سعت الى كشف الكائن بما هو كائن، فضلا عن كون الكلام بطبيعته وسيلة لادراك الكائن ككائن عبر ادراك الكينونة ضمنا. وهذا الانكشاف يتحقق في اللغة" القصيدة" بامتياز كمرادف لما هو شعري، وهكذا يخلص هايدغرالى أن ماهية الفن هي:" " الشعري" وأن ماهية الشعري هي تأسيس الحقيقة".*
في ضوء هذا الرأي، تقترح هذه المقاربة الاصغاء الى همس اللغة باللغة في قراءة/ خلوة خاصة تجمعنا باحدى قصائد المجموعة باذخة، وهي الموسومةب" خلوة..ظل قصيدة"ص66. فهي قصيدة مترعة، وبمعاني الروح دافقة، والبقية يؤسسها التلقي بل ينتجها... والا فبصوت الشاعر في القاء يربطنا بنبض القصيدة الداخلي ويضعنا في القلب من حركتها الجوانية. وبعبارة اكثر وضوحا، نوثر أن تخاطبنا القصيدة بصوتها مباشرة ، دون وسيط.
يغمر الصوت الشعري إحساس عارم بالغربة ويتملكه عشق الرحيل كعشق السندباد، ولكن من اجل البحث عن وطن/ إقامة تنسجم مع أفكاره وأمانيه في العالم أو في اللغة سواء، وتغطي رغباته، صوت يضم بين جنبيه قلبا موجعا لا يركن إلى الأشياء حسب وضعها الحالي وترتيبها في الواقع، ولا يطمئن إلى هذا الواقع، وبالا موزعا بين هواجس شتى، حتى أصبح الرحيل في بحار المنى عشقا وفي عالم الكتابة طقسا له قداسته ومراسيمه وقد استنفرت الكتابة كل طاقاتها للتعبير عن رؤية تتقاطع مع رؤية بودلير وتستعيرها قناعا أو رؤية لرؤية: فالعشق والحرية والصدق هي القيم التي قضى بودلير حياته مرتحلا في البحث عنها، ولم يستطع تحقيقها أو الوصول إليها، وكان بحثه الدائب عن حلم مفقود، وكان ذلك في أبرز معالم تجربة الشاعر الفرنسي وخاصة في مجموعته الشعرية" أزهار الألم" التي تعد استعارة كبرى للاشتغال الرؤياوي في مجموعة إبراهيم قهوايجي:"للأزهار رائحة الحزن"، وفي هذا الصدد تقول مقتطفات من متن المجموعة:
1 –"سنغني للفرح البائت/ ويعود السندباد
فتطفو سفينه في البحر المديد
لأكتب في دفتر انكساري/ أشعار ميلادي"ص14
2- " في وطن حسبته جنة/ وحيثما ارتحلت ألفيته جحيما" ص17
3- " نرحل في باحة المجهول
تتصيدنا فنادق مزدحمة الضياع
ولا نجد سوى باب يوصده الغياب
أو تأكلنا غيمة الروح
وأحلامنا تتسكع ثملى في شوارع القلب"ص20
4 -" رحلت كثيرا في ربى الشوك/ إلى مروج الورد/ وللورد أشواكه
يا أيها الطائر الخارج من السرب/ كأنك لم تكن سوى حلم
قل قصيدتك وارحل" ص22
- وإن لم تكن نسيج وحدها في هذا المضمار، عرفت الكتابة كيف تستفيد من الحواس وكيف تفعل دورها لارفاد المادة الشعرية جماليا وإسعافها فنيا، وبخاصة حاسة الشعر والذوق في المنجز الشعري الأول لإبراهيم قهوايجي، فمثل هذا الإجراء كفيل باغناء التصوير والدلالة من خلال تضامن الحواس وتراسلنا، وبعبارة هذه آلية من آليات الفن الحديث/ الحداثي، ذات المردود الجمالي على المستوى الرؤيوي والتقني للكتابة الشعرية.
- تجدد لنا تجربة الكتابة في هذه المجموعة الشعرية مبدأ الالتزام بقضايا الذات في إطار كلي لا يفصلها عن قضايا الواقع وهي صورة كادت أن تنعدم في تجارب شعراء الحداثة في الفترة الأخيرة بملامحها الذاتية والموضوعية المتراكبة، في الوقت الذي رجحت كفة الذات التي احتلت مساحة كبيرة في خارطة الإنتاج الشعري الحديث وألقت بظلالها القاتمة والحزينة على تربة الكتابة، ومرد ذلك إلى حيثيات الواقع العربي، في وقت عمل فيه المجتمع على تجريد الإنسان من كل شيء، لذلك تجرد الإنسان من هذا الواقع/تبرأ/ جمهور من الشعراء مرغمين على الانسحاب إلى أقاصي الذات ومغاور الباطن ولذلك استغرقهم الوقوف أمام مرآة النفس ولم يلتفتوا الى ما حولهم الا ليعاودوا منه الغطس مجددا في عالمهم الداخلي، وتلك لعمري قاصمة القواصم للشعر والواقع والشعراء في أفدح فواجعها أن يتحول العالم الجواني إلى منفى سرمدي يستهلك الذات ويعشعش بالجنون.
ومما لا شك فيه، أن مثل هذه الطروحات الشعرية التي ينصهر في بوتقتها البعد الذاتي للتجربة بالموضوعي الواقعي، تقدم لنا رؤية فنية تساهم في تحديد الوعي الفردي وتضيء الوجدان بكثير من العناصر الثقافية والجمالية والإنسانية، ولعل هذا ما يبقي على دور الشعر حيا وعلى جذوته متألقة ، ليس باعتبار الشعر فنا تاريخيا فحسب، بل بالنظر إليه أنه من أقدر المؤسسات على خدمة المثل واستنبات القيم البناءة والأصيلة وتمتين الروابط الإنسانية التي بدونها يبقى الوجود الإنساني نخبا هواء وبلا معنى ولا رائحة.

هوامش وإحالات:
(*) إبراهيم قهوايجي:" للأزهار رائحة الحزن"،منشورات دفاتر الاختلاف5، سلسلة بيت الأدب المغربي2، مطبعة سجلماسة، مكناس، الطبة1/غشت2007.
(1) أيوب نبيل:" البنية الجمالية في القصيدة المغربية الحديثة، المكتبة البوليسية، بيروت، ط1، 1992



الحسن العابدي
شاعر وقاص/ ناقد












عرض البوم صور حسن العابدي   رد مع اقتباس
قديم 01-03-2011, 05:40 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
الشاعر لطفي الياسيني
اللقب:
الرئيس الفخري للجمعية
 
الصورة الرمزية الشاعر لطفي الياسيني

البيانات
التسجيل: Jan 2010
العضوية: 118
الدولة: فلسطين القدس الشريف
العمر: 96
المشاركات: 21,796
بمعدل : 6.14 يوميا
الإتصالات
الحالة:
الشاعر لطفي الياسيني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

 

كاتب الموضوع : حسن العابدي المنتدى : الــقــراءات الـنـقـديـة في الـشعـر
افتراضي

تحية الاسلام
اشكرك على كلماتك التي اثلجت صدري












عرض البوم صور الشاعر لطفي الياسيني   رد مع اقتباس
قديم 01-03-2011, 10:25 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
حسن العابدي
اللقب:
شاعر وأديب
 
الصورة الرمزية حسن العابدي

البيانات
التسجيل: Dec 2010
العضوية: 1087
الدولة: بلاد الله الشرقية
المشاركات: 10
بمعدل : 0.00 يوميا
الإتصالات
الحالة:
حسن العابدي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

 

كاتب الموضوع : حسن العابدي المنتدى : الــقــراءات الـنـقـديـة في الـشعـر

أنا لك من الشاكرين على لباقتك سيدي الفاضل وتفضلك بالمرور عزيزا مكرما.....


جعلهاالله بردا وسلاما على قلوب من يعشقون جميل الكلام وبمائه السحري يتعـــــــــــــطرون
مع تحياتي العريضة
:wata (304):












عرض البوم صور حسن العابدي   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
زرت سدرة المنتهى ابن 4 سنوات في ليلة القدر / الشيخ الفرد الصمداني العارف بالله لطفي الشاعر لطفي الياسيني الشاعر لطفي الياسيني 0 10-29-2012 10:20 PM
أكبر حركة في المغرب تحذر من حكم الفرد الشاعر لطفي الياسيني قضايا عربية وإسلامية 0 02-08-2011 10:18 PM
"نقش في الحرف" كتاب الجماعة ولغة الفرد / د.عبد الدايم السلامي. ابراهيم ابويه دراسات أدبية ونقدية عامة 3 12-21-2010 08:22 AM


الساعة الآن 10:09 PM.

جميع الآراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا علاقة لإدارة الموقع بها

Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Translation by wata1.com