.............
 

آخر 12 مشاركات
شينغن: قصة القرية التي فتحت الحدود بين بلدان أوروبا موجة إقالات تضرب إدارة ترامب وتشعل أزمة في واشنطن مساع... ناظم الغزالي - شرد أقدملك هديه
عشائر البصرة تحذّر من أزمة سياسية بسبب الصراعات الداخلية... Trump threatens to have military build border wall if... كان ياما كان : ميسون نعيم الرومي
شجرة العيد في الجامعة اللبنانية لا تشبه سواها…شاهدوا الصورة مطالبات بتدخل دولي للكشف عن اعدام عشرات العراقيين هجوم... مصرع فتاة وإنهيار جسرين في السليمانية بسبب السيول نائب:...
الصحفي الشهير احمد منصور - حقيقة ما يحدث في الموصل وعن... استمع إلى صوت المريخ!! ـــــــــــــــــــــ رسالة تعزية ورثـاء لفقيد العراق...


رجوع   الجمعية الدولية الحرة للمترجمين واللغويين العرب واتا > الدواوين الشعرية > الملتقيات الخاصة > ملتقى الكاتب والباحث الإسلامي الدكتور: إبراهيم عوض
الإنتساب المساعدة قائمة الأعضاء التقويم محرك البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 11-17-2018, 06:01 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
إبراهيم عوض
اللقب:
برفيسور/ الإدارة العامة للمنتديات

البيانات
التسجيل: Jan 2010
العضوية: 70
المشاركات: 160
بمعدل : 0.05 يوميا
الإتصالات
الحالة:
إبراهيم عوض غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

 

المنتدى : ملتقى الكاتب والباحث الإسلامي الدكتور: إبراهيم عوض
افتراضيالجبر والاختيار فى تفسير الشيخ الشعراوى‏

فصل من كتابى: "خواطر على الخواطر - مع الشعراوى فى تفسيره"، الذى صدر منذ نحو شهرين
===================
‏- الجبر والاختيار فى تفسير الشيخ الشعراوى‏
إبراهيم عوض


عند تفسير الآية السادسة من "الفاتحة" يبسط الشيخ الشعراوى بعض البسط ‏رأيه فى الجبر والاختيار فى حياة البشر فيقول: "لو أراد الله سبحانه وتعالى من عباده ‏الصلاة والتسبيح فقط لما خلقهم مختارين بل خلقهم مقهورين لعبادته ككل ما ‏خلق ما عدا الانس والجن. والله تبارك وتعالى له صفة القهر. من هنا فإنه يستطيع ‏أن يجعل من يشاء مقهورا على عبادته مصداقا لقوله جل جلاله: "لَعَلَّكَ بَاخِعٌ ‏نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا ‏خَاضِعِينَ" (الشعراء/ 3- 4). فلو أراد الله أن يخضعنا لمنهجه قهرا لا يستطيع أحد ‏أن يشذ عن طاعته. وقد أعطانا الله الدليل على ذلك بأن في أجسادنا وفي أحداث ‏الدنيا ما نحن مقهورون عليه. فالجسد مقهور لله في أشياء كثيرة: القلب ينبض ‏ويتوقف بأمر الله دون إرادة منا، والمعدة تهضم الطعام ونحن لا ندري عنها شيئا، ‏والدورة الدموية في أجسادنا لا إرادة لنا فيها، وأشياء كثيرة في الجسد البشري كلها ‏مقهورة لله سبحانه وتعالى، وليس لإرادتنا دخل في عملها. وما يقع علىَّ في الحياة ‏من أحداث أنا مقهور فيه لا أستطيع أن أمنعه من الحدوث: فلا أستطيع أن أمنع ‏سيارة أن تصدمني ولا طائرة أن تحترق بي ولا كل ما يقع عليَّ من أقدار الله في ‏الدنيا. إذن فمنطقة الاختيار في حياتي محدودة: لا أستطيع أن أتحكم في يوم مولدي ‏ولا فيمن هو أبي ومن هي أمي ولا في شكلي: هل أنا طويل أم قصير؟ جميل أم ‏قبيح؟ أو غير ذلك...".‏
وكرر الشيخ نفس الفكرة فى خواطره حول الآية التاسعة من سورة ‏‏"الشعراء"، إذ قال: "جاء الحق تبارك وتعالى هنا بصفة "العَزِيز" (الشعراء/ 9) بعد ‏أن قال: "وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ" (الشعراء/ 8) لنعلم أن الذين كفروا لم يكفروا ‏رَغْمًا عن الله، إنما كفروا بما أودع الله فيهم من الاختيار. فهو سبحانه الذي أعانهم ‏عليه لَمَّا أحبوه وأصروا عليه لأنه تعالى ربُّهم، بدليل أنه تعالى لو تركهم مجبرين ‏مرغمين ما فعلوا شيئا يخالف منهج الله أبدا، وبدليل أنهم مجبرون الآن على أشياء ‏ومقهورون في حياتهم في مسائل كثيرة، ومع ذلك لا يستطيع أحد منهم أن يخرج ‏على شيء من ذلك. فمع إِلْفهم العنادَ والتمردَ على منهج الله أيستطيع أحدهم أنْ ‏يتأبَّى على المرض أو على الموت أو على الأقدار التي تنزل به؟ أيختار أحد منهم يوم ‏مولده مثلاً أو يوم وفاته؟ أيختار طوله أو قوته أو ذكاءه؟ لكن لما أعطاهم الله ‏الصلاحية والاختيار اختاروا الكفر، فأعانهم الله على ما أحبُّوا، وختم على قلوبهم ‏حتى لا يخرج منها كفر ولا يدخلها إيمان".‏
وكثير مما قاله الشيخ هنا صحيح. وكما هو واضح فإنه يفصل فصلا تاما بين ‏منطقتى الجبر والاختيار: فهذه الأشياء أنا مجبور فيها لا أملك نحوها شيئا، وتلك ‏الأشياء أنا مختار فيها أملك إزاءها أن أفعل وألا أفعل. وقد أعطى بعض الأمثلة من ‏مجال الجبر، وهى خاصة بالجسد وأحداث الحياة التى تقع على الشخص من ‏الآخرين. ولكن متى ما دققنا النظر فلسوف نجد أن الأمثلة التى أعطاها الشيخ من ‏منطقة الجبر ليست جبرا خالصا وأن الإنسان يستطيع أن يتدخل فيها ويخفف من ‏حتميتها مما يدل على أن فيها بعض مجال للاختيار وأنها ليست محجوزة تماما للأمور ‏الجبرية. ورأيى المبدئى هو أن الجبر والاختيار متمازجان فى كثير جدا من أمور الحياة ‏البشرية، ولكن بدرجات متفاوتة. وهذا التفاوت قد يكون راجعا إلى طبيعة تلك ‏الأشياء ذاتها، وقد يكون راجعا إلينا نحن البشر.‏
وإذا كان رأى الشيخ الجليل هو أن الجسد مقهور لله في أشياء كثيرة: فالقلب ‏ينبض ويتوقف بأمر الله دون إرادة منا، والمعدة تهضم الطعام ونحن لا ندري عنها ‏شيئا، والدورة الدموية في أجسادنا لا إرادة لنا فيها، فإن لنا قدرا من التدخل فى تلك ‏الأمور، ولكن على نحو غير مباشر وغير واضح تماما بحيث لا يدركه الناس ‏عموما. فمثلا لو أننى اهتممت بطعامى فلم أكثر منه وتحاشيت ما ينبهنى إلى تحاشيه ‏الأطباء ومارست الرياضة واعتدلت فى أمور حياتى لانعكس هذا كله على صحتى ‏وعلى قلبى ومعدتى. ومن هنا نجد معدل العمر فى الغرب أعلى، والصحة أجود ‏لأنهم بوجه عام يراعون هذه الاعتبارات أفضل منا كثيرا. ‏
ونضيف إلى ذلك أن أطباءهم أحسن من أطبائنا فيستطيعون من ثم أن ‏يعالجوا فى المريض أشياء ربما لا يمكن أطباءنا معالجتها أصلا أو لا يمكنهم ‏معالجتها بنفس الكفاءة. ولا أقصد بهذا النيل من قدر أطبائنا بل الإشارة إلى أننا ‏نتعلم على أيديهم، فهم سابقون لنا بخطوات وربما بأمتار وربما بكيلومترات حسب ‏المجال الذى ينتمى إليه المرض. كما أن علماءهم وأطباءهم حينما يكتشفون علاجا ‏أو دواء لمرض عضال فإنهم يستعملونه فى الحال بينما يأخذ الأمر عندنا وقتا حتى ‏نتعلم هذا العلاج ونستورد ذلك الدواء. ‏
ثم لا ينبغى أن ننسى مستوى المعيشة ودخله فى الأمر، فهم بوجه عام أقدر منا ‏ماديا، وبالتالى يستطيعون شراء الدواء أسهل منا. وهذا على المستوى الشخصى، ولو ‏ضممنا إليه أن مظلة التأمين الصحى عندهم أسلم وأوسع وأصدق وأحسن ‏وأعدل من مظلتنا تبين لنا أن وضعهم فى معالجة الأمراض والعيوب الجسدية ‏أفضل وأكثر حرية. ليس هذا وحده بل إنهم فى الدول المتقدمة كثيرا ما يمنعون ‏تصدير بعض الأدوية ويبقونها لأنفسهم، بينما يعطوننا أدوية أقل فاعلية أو لها آثار ‏جانبية خطيرة أو يريدون أن يجربوها فينا أولا بما يترتب على ذلك من نتائج سيئة. ‏
ومرة أخرى ليس هذا فقط بل إن تدنِّىَ المستوى الثقافى عندنا لا يمكِّن الدواء ‏من الإتيان بثمرته كما ينبغى، إذ لا يلتزم المرضى بما يقوله الأطباء إما لعدم فهمهم ما ‏قال وإما لعدم تصورهم خطورة عدم الالتزام وإما لقصور عقولهم حتى إن بعض ‏الناس قد يأخذ الدواء كله مرة واحدة لظنه أنه ما دام قد أخذه كله دفعة واحدة ‏فسوف يشفيه من المرض أيضا دفعة واحدة، أو يتوقف عن أخذ الدواء عند أول ‏بادرة للتحسن جاهلا أن الدواء لا بد أن يؤخذ طوال الفترة التى حددها الطبيب ‏وإلا انتكس المريض أو عاوده المرض مرة أخرى بعد وقت قصير. كما أن الأطباء فى ‏الدول المتخلفة كثيرا ما يخالفون لوائح المهنة بلا أدنى مبالاة، فيكون علاجهم ‏للمرض ناقصا. بل إن بعضهم قد يجرى عملية جراحية دون اهتمام باتخاذ ‏الاحتياطات اللازمة مما قد يؤدى إلى فشل العملية أو إلى "اتكال المريض على الله"، ‏وذلك بسبب نوم القانون عندنا ويقظته عندهم وتأثر الطبيب عندنا ببيئته اللامبالية ‏بوجه عام وتصوره أن الله سوف يسهلها ولا داعى لتحبيك الأمور... إلخ. ‏وسيظل الأمر هكذا طوال مدة تخلفنا عنهم واحتياجنا إلى التعلم والاستيراد منهم.‏
أما قوله رحمه الله: "ما يقع علىَّ في الحياة من أحداث أنا مقهور فيه لا أستطيع ‏أن أمنعه من الحدوث: فلا أستطيع أن أمنع سيارة أن تصدمني ولا طائرة أن تحترق ‏بي ولا كل ما يقع عليَّ من أقدار الله في الدنيا. إذن فمنطقة الاختيار في حياتي ‏محدودة. لا أستطيع أن أتحكم في يوم مولدي ولا فيمن هو أبي ومن هي أمي ولا في ‏شكلي: هل أنا طويل أم قصير؟ جميل أم قبيح؟ أو غير ذلك" فليس على إطلاقه. ‏ففى السيارة مثلا نجد أن الأمر يتوقف على مدى يقظة عابر الطريق وعلى مدى ‏التزام السائق بقانون المرور ولوائحه، وعلى مدى تدخل الدولة فى الأمر تخطيطا ‏للشوارع وتركيبا لإشارات المرور، ووعى المواطنين واهتمامهم بالتزام ما ينبغى ‏الالتزام به أو عدمه. فعلى الشخص ألا يحاول عبور الطريق وسط سيل السيارات ‏إذا كان هناك جسر علوى مبنى من أجل سلامته، أو فلينتظر حتى يخلو الشارع من ‏السيارات أو تقلّ، أو فليعبر من الأماكن المخصصة للمشاة. وفى الدول المتقدمة ‏هناك مثلا إشارات مرور يشغّلها بنفسه من يريد عبور الشارع فتقف السيارات ‏الآتية من الناحيتين عند إضاءة اللون الأحمر بعد أن تكون قد هدأت من اندفاعها ‏لدى إضاءة اللون الأصفر. وهذا كله غير موجود فى بلادنا، بل الأمر بختك يا أبو ‏بخيت، فتكثر الحوادث وترتفع نسبة الموتى بسببها. أما على الطرق السريعة فأنت ‏لست أمام سيارات بل أبقار تجرى فى فوضى تامة دون أى احترام لأية قواعد أو ‏إرشادات، فضلا عن أن الطرق فى كثير من الحالات لا تصلح لجرى السيارات كما ‏نعرف، وأن السائقين لا يبالون بأى شىء، بل كل إنسان يعمل ما يحلو له، وبخاصة ‏أنه ليس هناك دائما خطوط تحديد المسارات ولا إرشادات السماح بتجاوز السيارات ‏بعضها لبعض أَوْ لا... وما إلى ذلك.‏
أما التحكم فى من هو أبى ومن هى أمى فأنا أوافقه تماما، إلا أن الوعى هنا له ‏دخل فيما يمكن أن يصيب المواليد من عيوب خِلْقِيّة أَوْ لا. فهناك كشف طبى على ‏من يريدون الزواج يمكن عن طريقه معرفة الأخطار التى يحتمل أن تقع فى بعض ‏حالات الزواج، ومن ثم يمكن تفاديها لمن يحب، وهذا الأمر متوقف على مدى ‏الوعى الحياتى. ولا شك أنه يخفف كثيرا من المشاكل الصحية أو العيوب الخلقية ‏التى يتعرض لها الجنين. ‏
وصحيح أننى أنا نفسى لا أتدخل فى اختيار شكلى الجسدانى. لكن لو أن ‏المجتمع الذى ولدت فيه كان مجتمعا قادرا ماديا وواعيا الوعى الصحى المراد لجاء ‏شكلى أكثر مقبولية. فشكل المواليد يتأثر بالطعام التى تتناوله الأم ونوعيته ومقداره ‏وطريقة التعامل معه. كما أن الفقر والغِنَى لهما دخل فى ذلك. ولا ننس أن وسائل ‏التزيين والتحسين من ملابس وأدهان ومساحيق وقَصَّات تلعب هى أيضا دورا ‏هنا. وهناك عمليات التجميل لمن نزل بعيب خلقى. أعرف أن بعض المشايخ ‏الضيقى الأفق يحرمون تلك العمليات بحجة أنها تغيير لخلق الله جاهلين أنه ما من ‏شىء يخلقه الله فى دنيا البشر إلا ويغيره البشر. فهكذا تكون الحضارة، التى هى ‏تغيير الطبيعة. ‏
فنحن نمهد الأرض مع أن الله خلقها وَعْرَة غير ممهدة، ونحن نبنى البيوت ‏مع أن الله خلق الأرض فضاء عراء بدون بيوت، ونحن حين نقوم من النوم نغسل ‏وجوهنا للتخلص من العماص، ونمضمض أفواهنا ونستخدم المسواك أو المعجون ‏والفرشاة لإزالة أية رائحة غير طيبة، مع أن تلك الرائحة هى من خلق الله، وحين ‏نرزق بطفل فإننا نغسله لإزالة الدم الذى يغطيه مع أن الله قد خلقه ملطخا بالدم، ‏وعندما نجهز الطعام فإننا نغسل الخضراوات والدقيق والأرز واللحوم ونقطع ما ‏يقبل التقطيع ونعالجها بالتوابل والملح والليمون والصلصة ونضعها على النار ‏مغيرين الوضع الذى خلقها الله عليه ومكسبيها وضعا آخر حتى يمكننا أن نأكلها ‏ونتمتع بها. والنساء يضعن الكحل وبستعملن أدوات الزينة، فيغيرن شكلهن الذى ‏أعطاه الله إياهن. ونحن البشر نرتدى ملابس وأحذية فنغير بذلك الحالة التى ‏خلقنا الله عليها، إذ خلقنا عراة حفاة... وهكذا، وهكذا. فلماذا لا نتذكر حرمانية ‏تغيير خلق الله إلا فى العمليات التجميلية؟ ‏
إن الآيات 117- 121 من سورة "النساء"، التى يقول الشيطان فيها إنه ‏سوف يغرى البشر بتغيير خلق الله، فتجعل ذلك حراما وتتوعد فاعليه بالنار ‏والعذاب، إنما تتحدث عن التشويه الذى كان الوثنيون فى الجاهلية يلحقونه ‏بالحيوانات المستأنسة نزولا على اعتقاداتهم المتخلفة البشعة مِنْ صَلْمِ آذان ‏الحيوانات المسكينة وجَدْعِ أنوفها وفَقْءِ عيونها وبَتْر ذيولها ووَسْم وجوهها بالنار ‏وما إلى هذا بسبيل جَرَّاءَ استيلاء الخرافات على عقولهم، فنَسَب الله ذلك إلى إغواء ‏الشياطين. فالشياطين تشوه، أما الأطباء فيجمّلون ويقضون على القبح ويخففون من ‏ثم آلام المشوهين والمقبوحين. فهذه نقرة، وتلك نقرة. أما مشايخ السوء فكله ‏عندهم صابون. ترى لو أن الله قد رزق أحدهم مثلا بطفلة ذات أنف قبيح أو ‏أسنان بارزة أو لها شفة أرنبية أكان يسكت ويقول إن تغيير خلقة الله حرام؟ لا أظن ‏ذلك. ‏
ولو افترضنا أن زوجة أرادت أن تجرى عملية تجميلية لتكون على مزاج ‏زوجها فلا تزيغ عينه إلى غيرها فما وجه الحرام فى هذا؟ المهم ألا تقدم على شىء قد ‏يضرها بدلا من تحسين شكلها حتى لا تلقى بيديها إلى التهلكة. ومن هذا نرى أنه ‏كلما تقدم الإنسان حضاريا: علميا وطبيا وصيدليا وتمريضيا ومستوى معيشة ووعيا ‏ازدادت مساحة الاختيار فى حياته الصحية، فأمكنه معرفة أنواع الطعام التى يحتاج ‏جسمه إليها والطريقة السليمة لتناوله كما وكيفا، واكتشاف أمراض يعانى منها ‏الإنسان لم تكن معروفة للأطباء، والتوصل إلى علاج لها تجعل فرصة النجاة من ‏الموت أو التشويه فرصة كبيرة، وبذلك تقلّ معاناة الإنسان صحيا ويرتفع متوسط ‏عمره كما هو حادث فى الدول المتقدمة. ‏
ويظهر قلة الوعى الطبى والصحى حتى بين المتعلمين عندنا من المثال التالى. ‏فإنى دائما ما أحذر من أعرفهم من التدخين قائلا إنه كثيرا ما يجلب الأمراض القلبية ‏ويسبب السرطان وما إلى هذا، فسرعان ماتأتينى الإجابة بأن هذا غير صحيح بدليل ‏أن فلانا وعلانا وترتانا وبمبانا يدخنون ولم يعترهم لا سرطان ولا مرض قلب. ‏فأعود إلى تفهيمهم أن المقصود هو أن نسبة من يمرضون بهذين الداءين بين ‏المدخنين عالية، ولم أقل إنهم جميعا يصابون بهما. ومن الطبيعى إذن أن يكون بينهم ‏من لم يمرض مرضا شديدا أو يمت مبكرا. ومع هذا فإذا كُشِف عليه جيدا فمن ‏الأرجح أن يجد الأطباءُ عنده أدواءً كثيرةً لكنها لم تستفحل بعد، أو قد يكون فى ‏جسمه عوامل مناهضة للداءين المذكورين تجعل إصابته بهما صعبة أو تؤخرها. ‏ورغم هذا تنتهى غالبا هذه المناقشة التى تتكرر كثيرا بعدم اقتناع مناقِشِىَّ مع ‏وضوح حجتى واستنادها إلى منطق العلم وإحصاءاته.‏
ولكى يعرف القارئ الكريم أن المرض ليس شيئا لا نملك تجاهه شيئا غير ‏التسليم والصبر إلى أن يقدر الله أمرا كان مفعولا أن القرآن المجيد ورسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ينصحان المسلمين نصائح طبية يواجهون بها المرض والحياة. ‏ولو كان المرض شيئا لازبا لا نستطيع إزاءه سوى وضع أيدينا على خدودنا ‏ومصمصة الشفاه لما نَصَحَا ولا وَجَّهَا. فمن ذلك قوله تعالى: "ولا تُلْقُوا بأيديكم ‏إلى التَّهْلُكَة"، "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا. إنه لا يحب المسرفين"، "ويسألونك عن ‏المحيض. قل: هو أذًى. فاعتزلوا النساءَ فى المحيض ولا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْن". ‏وقال صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ وعاءٍ ملأ ابنُ آدَمَ شرًّا مِن بطنٍ. حَسْبُ ابنِ آدَمَ ‏أُكُلاتٌَمل ير من الحالات يُقِمْنَ صُلْبَه. فإنْ‎ ‎كان‎ ‎لا‎ ‎بدَّ‎ ‎فثُلُثٌ لطعامِه، وثُلُثٌ ‏لشرابِه، وثُلُثٌ لنَفَسِه"، وقال صلى الله عليه وسلم عن الطاعون: "إذا سِمِعْتُم به ‏بأرضٍ فلا تَقْدمُوا عليه، وإذا وقَعَ بأرضٍ وأنتم بها فلا تَخْرُجوا فِرارًا منه"، "إنَّ اللهَ ‏تعالى أنزل الداءَ والدواءَ، وجعل لكلِّ‎ ‎داءٍ‎ ‎دواءً،‎ ‎فتداوَوْا ولا تداوَوْا بالحرامِ"، ‏‏"الحمَّى مِن فَيْح جهنم، فأطفئوها بالماء". وهناك الوضوء والاغتسال، وهما من ‏أهم أساليب النظافة. ومعروف أن استعمال السواك سنة لتنظيف الأسنان وإزالة ‏رائحة الفم السيئة وغير ذلك: "السواك مطهرة للفمِ مرضاةٌ للرب". وكان بعض ‏الصحابة "يدخلونَ على النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ولم يَسْتاكوا، فقال: تدخلونَ عليَّ ‏قُلْحًا؟‎ ‎استاكوا. فلولا أن أَشقَّ على أمَّتي لفَرَضْتُ عليهم السِّواكَ عندَ كلِّ صلاةٍ كما ‏فَرَضْتُ عليهم الوضوءَ". وكان يوصى باستعمال عسل النحل والحبة السوداء ‏والتلبينة وألبان الإبل والحجامة، كلا فى أمراض معينة. كما حرم الإسلام الخمر ‏والدم والميتة والخنزير، ولكل منها أضراره الصحية...‏
ويمضى الشيخ الجليل قائلا: "إذن فمنطقة الاختيار في الحياة هي المنهج: أن ‏أفعل أو لا أفعل. الله سبحانه وتعالى له من كل خلقه عبادة القهر، ولكنه يريد من ‏الإنس والجن عبادة المحبوبية. ولذلك خلقنا ولنا اختيار في أن نأتيه أو لا نأتيه، في ‏أن نطيعه أو نعصيه، في أن نؤمن به أو لا نؤمن. فإذا كنت تحب الله فأنت تأتيه عن ‏اختيار تتنازل عما يغضبه حبا فيه، وتفعل ما يطلبه حبا فيه، وليس قهرا. فإذا تخليت ‏عن اختيارك إلى مرادات الله في منهجه تكون قد حققت عبادة المحبوبية لله تبارك ‏وتعالى، وتكون قد أصبحت من عباد الله، وليس من عبيد الله. ‏
فكلنا عبيد لله سبحانه وتعالى، والعبيد متساوون فيما يُقْهَرون عليه. ولكن ‏العباد الذين يتنازلون عن منطقة الاختيار لمراد الله في التكليف. ولذلك فإن الحق ‏جل جلاله يفرق في القرآن الكريم بين "العباد" و"العبيد". يقول تعالى: "وَإِذَا ‏سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا ‏بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ" (البقرة/ 186)، ويقول سبحانه وتعالى: "وَعِبَادُ الرَّحْمَـنِ الَّذِينَ ‏يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَمًًا * وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ ‏لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ ‏غَرَامًا" (الفرقان/ 63- 65). ‏
وهكذا نرى أن الله سبحانه وتعالى أعطى أوصاف المؤمنين وسماهم: "عبادا"، ‏ولكن عندما يتحدث عن البشر جميعا يقول: "عبيد" مصداقا لقوله تعالى: "ذلِكَ بِمَا ‏قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ" (آل عمران/ 182). ولكن قد يقول ‏قائل إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: "وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن ‏دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ" (الفرقان/ 17): ‏الحديث هنا عن العاصين والضالين، ولكن الله سبحانه وتعالى قال عنهم: "عباد". ‏نقول إن هذا في الاخرة، وفي الآخرة كلنا عباد لأننا مقهورون لطاعة الله الواحد ‏المعبود تبارك وتعالى لأن الاختيار البشري ينتهي ساعة الاحتضار، ونصبح جميعا ‏عبادا لله مقهورين على طاعته لا اختيار لنا في شيء". ‏
وقد عاد رحمه الله إلى تناول موضوع التفرقة بين "العبيد" و"العباد" خلال ‏تفسيره للآية 23 من سورة "البقرة"، ونصها: "وإن كنتم فى ريبٍ مما نزّلناعلى عبدنا ‏فَأْتُوا بسورةٍ مِنْ مِثْلِه..."، فقال: "الحق سبحانه وتعالى يقول: "على عبدنا". وهذه ‏محتاجة إلى وقفة. فالله جل جلاله له عبيد، وله عباد. كل خلق الله في كونه عبيد لله ‏سبحانه وتعالى لا يستطيعون الخروج عن مشيئة الله أو إرادته. هؤلاء هم العبيد. ‏ولكن العباد هم الذين اتحدت مراداتهم مع ما يريده الله سبحانه وتعالى. تخلَّوْا عن ‏اختيارهم الدنيوي ليصبحوا طائعين لله باختيارهم. أي أنهم تساوَوْا مع المقهورين ‏في أنهم اختاروا منهج الله وتركوا أي اختيار يخالفه. هؤلاء هم العباد. وإذا قرأت ‏القرآن الكريم تجد أن الله سبحانه وتعالى يشير إلى العباد بأنهم الصالحون من البشر، ‏فيقول الحق تبارك وتعالى: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ‏إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ" (البقرة/ 186). هذا ليس ‏لكل خلق الله، ولكنه للعباد، الذين إذا قال الله تعالى لهم: "افعلوا" فعلوا، وإذا قال ‏الله: "لا تفعلوا" لم يفعلوا. أي أنهم لا يخالفون، بقدرتهم على الاختيار، منهج الله ‏سبحانه وتعالى.‏
ولذلك في الجهاد لا يقول الحق سبحانه وتعالى عن المجاهدين إنهم عبيد، بل ‏يقول جل جلاله: "فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ‏فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولا" (الإسراء/ 5). وبعض المستشرقين ‏الذين يحاولون الطعن في القرآن الكريم يقولون إن كلمة "عباد" قد جاءت في ‏وصف غير المؤمن في قوله تعالى: "أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ" ‏‏(الفرقان/ 17). نقول: إنكم لم تفهموا أن هذا ساعةَ الحساب في الآخرة، وفي ‏الآخرة كلنا عباد لأننا كلنا مقهورون، فلا اختيار لأحد في الآخرة، وإنما الاختيار ‏البشري ينتهي ساعة الاحتضار، ثم يصبح الإنسان بعد ذلك مقهورا. فنحن جميعا ‏في الآخرة عباد، ولكن الفرق بين العبيد والعباد هو في الحياة الدنيا فقط". ويجد ‏القارئ رأى الشيخ فى هذه النقطة أيضا فى الجزء الثانى من كتاب أحمد زين: ‏‏"الشيخ الإمام محمد متولى الشعراوى وقضايا العصر" (دار الجيل ببيروت ومكتبة ‏التراث الإسلامى بالقاهرة/ 37- 38).‏
وأحب أولا أن أشرح المراد من كلمة "القهر"، التى صارت لها إيحاءات قبيحة ‏الآن. والمعنى فى كلام الشيخ أن الله سبحانه قد أجبر المخلوقات على السير تبعا ‏لقوانينه دون أن يأخذ رأيهم فى ذلك. أما عن قوله إن "العبيد" هى للبشر جميعا فيما ‏لا مدخل لهم فى تنفيذه، وإن العباد هم المؤمنون المطيعون لربهم، فهو للأسف لم ‏يستقرئ كل المواضع القرآنية التى وردت فيها الصيغتان الجمعيتان لكلمة "عبد". ‏ومما استشهد به من القرآن على صحة ملاحظته قوله تعالى: "وما ربك بظلام ‏للعبيد" على اعتبار أن المقصود هنا البشر جميعا لا المؤمنون وحدهم". فما رأيه فى ‏قوله عز شأنه: "وما الله يريد ظلما للعباد" مستخدما "العباد" فى نفس السياق ‏والمعنى؟ وما رأيه، رحمه الله، فى قوله سبحانه عن المشركين فى سورة "النساء": "إِنْ ‏يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ‏‏(118)"، حيث استخدم سبحانه "العباد" للناس جميعا؟ وما رأيه فى جواب المسيح ‏عليه السلام فى الآخرة لربه حين يسأله عمن يعبدونه ويتخذونه هو وأمه إلهين، ‏وهو موجود فى سورة "المائدة": "إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ ‏الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)"؟ وما رأيه أيضا فى قوله فى "الأنعام" عن البشر أجمعين: ‏مؤمنين وكافرين، مطيعين وعصاة: "وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ (18)"، ومثله فى الآية ‏‏60 من نفس السورة؟ ‏
أما استعمال كلمة "العباد" فى الآخرة فهو حجة على الشيخ لا له، إذ قال إنهم ‏لم يعودوا مختارين هناك، ومن ثم قيل عنهم: "عباد". ذلك أنه سبق أن قال إن ‏‏"العبيد" هم المقهورون على طاعة أوامر الله، فما دام الناس فى الآخرة مقهورة على ‏طاعة الله لقد كان الأحرى أن يطلق عليهم: "عبيد" لا "عباد"، وهذا حسب ‏كلامه. وقد أشار الشيخ فى هذا السياق عرضا إلى مستشرقين اعترضوا على التفرقة ‏التى ساقها بين هذين اللفظين، لكنه لم يذكر لنا أسماءهم ولا فى أى كتاب قالوا هذا ‏ولا من صاحب التفرقة الأصلية بين سياق استعمال كل من الكلمتين وسياق ‏استعمال الأخرى. وهذا ديدن الشيخ، فهو فى كل مرة يتناول فيها موضوعا كهذا ‏يكتفى بعبارة "قال المستشرقون فى الموضوع الفلانى كذا وكذا" دون تحديد أو ‏تفصيل. ‏
وفى خواطره عن الآية 26 من سورة "البقرة"، ونصها: "إن الله لا يستحيى ‏أن يَضْرِب مَثَلا ما بعوضةً فما فوقَها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحقُّ مِنْ رَبِّهم وأما ‏الذين كفروا فيقولون ماذا أراد اللهُ بهذا مَثَلا يُضِلّ به كثيرا ويَهْدِى به كثيرا وما يُضِلّ ‏به إلا الفاسقين"، يقول: "إن كل مصدق بالقرآن لا يطلب تأويله أو الحكمة في ‏آياته. ولذلك قال الكافرون: "مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلا؟"، ويأتي رد الحق تبارك ‏وتعالى: "يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِين". ومن هم ‏الفاسقون؟ هم الذين ينقضون عهد الله. أول شيء في الفسق أن ينقض الفاسق ‏عهده. ‏
ويقال: فسقت الرُّطَبَة، أي بعدت القشرة عن الثمر. فعندما تكون الثمرة أو ‏البلحة حمراء تكون القشرة ملتصقة بالثمرة بحيث لا تستطيع أن تنزعها منها. فإذا ‏أصبحت الثمرة أو البلحة رُطَبًا تسودّ قشرتها وتبتعد عن الثمرة بحيث تستطيع أن ‏تنزعها عنها بسهولة. هذا هو الفاسق المبتعد عن منهج الله: ينسلخ عنه بسهولة ‏ويسر لأنه غير ملتصق به. وعندما تبتعد عن منهج الله فإنك لا ترتبط بأوامره ‏ونواهيه، فلا تؤدي الصلاة مثلا وتفعل ما نهى الله عنه لأنك فسقت عن دينه. ‏
والذي أوجد الفسق هو أن الإنسان خُلِق مختارا قادرا على أن يفعل أو لا ‏يفعل. وبهذا الاختيار أفسد الإنسانُ نظامَ الكون، فكل شيء ليس للإنسان اختيار ‏فيه تراه يؤدي مهمته بدقة عالية كالشمس والقمر والنجوم والأرض. كلها تتبع ‏نظاما دقيقا لا يختل لأنها مقهورة. ولو أن الإنسان لم يخلق مختارا لكان من المستحيل ‏أن يفسق وأن يبتعد عن منهج الله ويفسد في الأرض. ولكن هذا الاختيار هو ‏أساس الفساد كله".‏
ومن هذا الكلام يمكن أن يفهم بعض الناس أن الله قد اختار النظام الخطأ، ‏فخلق الإنسان وخلع عليه خاصة الاختيار، ثم اتضح أن ذلك كله خطأ فى خطإ، ‏وأنه أساس الفساد كله. ولنا هنا وقفة لنعلق بعض التعليقات: فأما بالنسبة لقوله إنه ‏لم يكن ليكون هناك فساد لو لم يخلق الإنسان فما رأى فضيلته مثلا فى افتراس ‏الحيوانات القوية للحيوانات الضعيفة وما تسببه لها عند ذلك من آلام ورعب ‏رهيب؟ هل كان هذا سببه ما أُعْطِيَه الإنسان من اختيار؟ أَوَلَوْ خُلِق الإنسان مجبورا ‏مثل الأسد والفيل والنمر والجاموس والبقر والحمير والأقمار والشموس ‏والكواكب والهواء والصراصير والخنافس والفيران والهداهد والديدان أكان الفساد ‏يختفى؟ أليس فى الكون عفن ونتن وانهيارات ثلجية وعواصف وسيول وزلازل ‏وبراكين وصواعق وتشققات أرضية وحرائق تغرق وتحرق وتقتل وتدمر وتجعل ‏عاليها سافلها، وليس للإنسان فيها ناقة ولا جمل؟ ألا تنفصل الشهب عن النجوم ‏وتنزل تشق الفضاء دون أن يكون للبشر دخل فى ذلك؟ ألا يقول العلماء إن الكون ‏كله سوف يتشقق ويتطاير ذرات فى الفضاء يوم القيامة، فهل الإنسان هو الذى ‏سوف يفكك الكون هذا التفكيك؟
ثم كيف غاب عن الشيخ الجليل مباهاة الله سبحانه الملائكة بآدم وتفوق آدم ‏عليهم بمعرفته ما لا يعرفون؟ ترى كيف يباهى الله سبحانه الملائكة بمخلوق فاسد ‏مفسد؟ كما أن الله قد كرمه على كثير مما خلقه تفضيلا كما تقول سورة "الإسراء". ‏ولقد رأينا أن الفساد موجود فى العالم بالإنسان وبغير الإنسان، فما الداعى إلى تحميله ‏مسؤولية كل شىء؟ كذلك فإن الله هو الذى حدد للإنسان سقف قدراته وإمكاناته ‏فلا يمكنه أن يتجاوزه مهما فعل. وفى هذا يقول القرآن العظيم: "وخُلِق الإنسانُ ‏ضعيفًا"، وقال الرسول عليه السلام: "كل بنى آدم خَطَّاء". أى أننا قد خُلِقْنا على ‏هذا النحو من ضعف وخطإ. وقال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيدِه لو لم ‏تذنبوا لذهب اللهُ بكم ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون‎ ‎اللهَ، فيغفرُ لهم".‏
والشيخ نفسه يؤكد هذا. اقرأ له النص التالى فى أثناء تفسيره للبسملة مطلع ‏الفاتحة: "الإنسان خُلِق ضعيفا، وخُلِق هَلُوعا. ورسول الله صلى الله عليه وسلم ‏يقول: "لا يدخل أحدكم الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته. قالوا: حتى أنت يا ‏رسول الله؟ قال: حتى أنا". فذنوب الإنسان في الدنيا كثيرة: إذا حكم فقد يظلم، ‏وإذا ظن فقد يسىء، وإذا تحدث فقد يكذب، وإذا شهد فقد يبتعد عن الحق، وإذا ‏تكلم فقد يغتاب. هذه ذنوب نرتكبها بدرجات متفاوتة، ولا يمكن لأحد منا ان ‏ينسب الكمال لنفسه. حتى الذين يبذلون أقصى جهدهم في الطاعة لا يصلون إلى ‏الكمال، فالكمال لله وحده. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل بني آدم ‏خَطَّاء، وخير الخطائين التوابون". وتكرر فى القرآن والأحاديث أنه سبحانه وتعالى ‏لا يكلف نفسا إلا وُسْعَها.‏
ثم تعالَوْا ننظر فى أمر الكون لو لم يكن الإنسان قد خُلِق أو خُلِق لكنه لم يُرْزَق ‏نعمة الاختيار. ترى ماذا كان يمكن أن يحدث آنذاك؟ إن الإنسان لم يكن فى هذه ‏الحالة ليستطيع فعل أى شىء مما فعله ويفعله وسيفعله إلى أن يُنْفَخ فى الصُّور. نعم ‏كان سيكون كأى حيوان غير ناطق فيأكل البرسيم والتبن واللحم ويمشى على أربع ‏ولا يستطيع التفكير أو الكلام المبين ولا يقدر على الاكتشافات العلمية أو ‏المغامرات الجغرافية أو نظم الشعر أو كتابة النثر الجميل أو اختراع النكت المضحكة ‏أو رسم اللوحات الجميلة أو تمثيل المسرحيات البديعة أو لعب الكرة، تلك ‏المجنونة كالقوطة، أو ينشئ البيوت والطائرات والبواخر والغواصات والصواريخ ‏والسفن الفضائية والمشباك والمؤسسات المختلفة من اقتصادية وعلمية واجتماعية، ‏ويركّب الأدوية، ويخترع المذياع والكاتوب والمشباك والتلفاز ويكتشف الأمراض ‏وعلاجاتها ويُجْرِى العمليات الجراحية ويعوم ويغوص ويرصف الطرق ويتسلق ‏الجبال... إلى آخر المنجزات الحضارية التى عملها على مدى تاريخه الطويل. ‏
وسوف يشبه الكون حينئذ الغابة والصحراء والمسطحات الجليدية: كله ‏أشجار ورمال وثلوج وجبال وحيوانات ليس إلا، ودمتم. أوَفقدان هذا كله أمر ‏هين بسيط؟ فلِمَ خلق الله الإنسان إذن ولم يكتف بالعالم المادى الغبى البليد الذى ‏لا عقل له ولا حس ولا شعور ولا نمو ولا أكل ولا شرب أو العالم الحيوانى الذى ‏لا هم له غير الأكل والشرب والتناسل؟ إن ذلك الاختيار الذى يعيبه الشيخ ‏الشعراوى هو أساس الحضارات البشرية كلها، ولولا هو ما كانت علوم ولا فنون ‏ولا أديان ولا أى لون من ألوان الإبداع العلمى والفنى. فهل يحب الشيخ أن ينحط ‏الكون إلى هذه الدركة؟ ‏
ثم يمضى الشعراوى فى خواطره حول الآية 26 من "البقرة" قائلا: "نأتي بعد ‏ذلك إلى الصفة الثالثة من صفات الفاسقين بقوله تعالى: "وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ". ‏نقول: كل ما في الكون مخلوق على نظامِ "قَدَّرَ فَهَدَى". أي كل شيء له هُدًى لابد أن ‏يتبعه. ولكن الإنسان جاء في مجال الاختيار وأفسد قضية الصلاح في الكون. ومن ‏رحمة الله أنه جعل في كونه خلقا يعمل مقهورا ليضبط حركة الكون الأعلى. ‏فالشمس والنجوم والأرض وكل الكون ما عدا الإنس والجان يسير وفق نظام ‏دقيق. لماذا؟ لأنه يسير بلا اختيار له. والحق جل جلاله أخبرنا بأنه لكي يعتدل ‏ميزان حياتنا فلنحكم أنفسنا بمنهج الله كما أن الكون المقهور محكوم بمنهج الله. ‏فليس معنى الاختيار الإنساني أن نبتعد عن منهج الله لأن الله له صفة القهر. فهو ‏يستطيع أن يخلقنا مقهورين، ولكنه أعطانا الاختيار حتى نأتيه عن حب، وليس عن ‏قهر. فأنت تحب الشهوات، ولكنك تحب الله أكثر، فتقيد نفسك بمنهج الله. إذن ‏فالاختيار لم يُعْطَ لنا لِنُفْسِدَ في الأرض، ولكنه أُعْطِيَ لنا لنأتي الله سبحانه وتعالى ‏طائعين ولسنا مقهورين. ولذلك فكل منا مختار في أن يؤمن أو لا يؤمن. وهذا ‏الاختيار يثبت محبوبية الله سبحانه وتعالى في قلوبنا. ولكن الإنسان بدلا من أن ‏يأخذ الاختيار ليأتي الله عن حب فينال الجزاء الأعظم أخذه ليفسد في الأرض.‏
والفساد أن تنقل مجال "افعل ولا تفعل" فتضع هذه مكان هذه، فينقلب ‏الميزان. أي أنك فيما قال الله فيه: "افعلْ" لا تفعلُ، وفيما قال: "لا تفعلْ" تفعلُ، ‏فتكون قد جعلت ميزان حياتك معكوسا. لماذا؟ لأننا غير محكومين بقاعدة كلية ‏تنظم حياة الناس. فكل واحد سيضع قاعدة له، وكل واحد لن يفعل ما عليه، ‏فيحدث تصادم في الحياة. وكل فساد يشكل قبحا في الوجود. فهب أنك تسير في ‏الطريق وترى عمارة مبنية حديثا قد تسربت المياه من مواسيرها، عندما ترى ذلك ‏تتأذى لأن هناك قبحا في الوجود، في عدم أمانة إنسان في عمله. إذن فحين يفسد ‏عامل واحد بعدم الإخلاص في عمله يفقد الكون نعمة يحبها الله في أن ترى الشيء ‏الجميل فتقول: الله. فكل إنسان غير أمين في عمله يفسد في الكون. وكل إنسان غير ‏أمين في خلقه يفسد في الكون، ويعتدي على حرمات الآخرين وأموالهم. ‏
وهذا يجعل الكون قبيحا، فلا يوجد إنسان يأمن على عِرْضه وماله. لقد أراد ‏المعتدي أن يحقق ما ينفع به نفسه عاجلا، ولكنه أحدث فسادا في الكون. كذلك ‏عندما يغش التاجر الناس، وعندما يكتسب الإنسان المال بالنهب والسرقة فيفتح ‏الله عليه أسوأ مصارف المال في الوجود، فهو أخذ الحسرة بالفساد في الأرض. ‏والفساد في الأرض أن تخرج الشيء عن حد اعتداله فتسرف في شهواتك، وتسرف ‏في أطماعك، وتسرف في عقابك للناس، وتسرف باعتدائك على حقوق الغير. ‏والفساد في الأرض أن يوجَد منهج مطبق غير منهج الله.‏
إن غياب منهج الله معناه أن يصبح كل منا عبد أهوائه. وإذا صارت الأمور ‏حسب أهواء الناس جاءت لهم حركة الحياة بالشقاء والشر بدلا من السعادة ‏والأمن. إن ما نراه اليوم من شكوى الناس علامةٌ على الفساد لأن معناها أن الناس ‏تعاني، ولا أحد يتحرك ليرفع أسباب هذه الشكوى. ولن يستقيم أمر هذا الوجود ‏ويتخلص من الفساد إلا إذا حَكَمَنا منهجٌ لا هوَى له. والذي لا هَوَى له هو خالقُ ‏البشر واضعُ ميزان الكون.‏
وأول مظاهر الفساد أن يُوكَل الأمرُ إلى غير أهله لأنه إذا أُعْطِىَ الأمر إلى غير ‏أهله فانتظِر الساعة كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا وُسِّد الأمر إلى غير ‏أهله فانتظِر الساعة". لماذا؟ لأن المجتمع حينئذ يكون مبنيا على النفاق واختلال ‏الأمور لا على الإتقان والإخلاص. فالذي يجيد النفاق هو الذي يصل إلى الدرجات ‏العلا، والذي يتقن عمله لا يصل إلى شيء. وتكون النتيجة أن مجموعة من المنافقين ‏الجهلة هم الذين يسيِّرون الأمور بدون علم. والفساد في الأرض هو أن يضيع ‏الحق، وتضيع القيم، ويصبح المجتمع غابةً كلُّ إنسانٍ يريد أن يحقق هواه بصرف ‏النظر عن حقوق الآخرين، ويحس من يعمل ولا يصل إلى حقه أنه لا فائدة من ‏العمل، فيتحول المجتمع كله إلى مجموعة من غير المنتجين. ‏
والفساد في الأرض هو أن نجعل عقولنا هي الحاكمة فلا نتأمل في ميزان ‏الكون الذي خلقه الله، وإنما نمضي بعقولنا نخطط فنقطع الأشجار، ونرمي ‏مخلفات المصانع في الأنهار فنفسدها، ونأتي بالكيماويات السامة نرش بها الزرع أو ‏مجاري المياه والأنهار كما يحدث الآن فنملؤه سُمًّا ثم نأكله ثم نجد التلوث قد ملأ ‏الكون، وطبقة الأوزون قد أصابها ضرر واضح يعرِّض حياة البشر على الأرض ‏لأخطار كبيرة، وتفسد مياه الأنهار ولا تصبح صالحة للشرب ولا للري، ويضيع ‏الخير من الدنيا بالتدريج. والفساد في الأرض هو أن ينتشر الظلم، وتصبح الحياة ‏سلسلة لا تنتهي من الشقاء. والفساد في الأرض هو أن تضيع الأمانة، فتفسد ‏المعاملات بين الناس وتضيع الحقوق.‏
هذه هي بعض أوجه الفساد في الأرض. والله سبحانه وتعالى قد وضع قانونا ‏كليا هو منهجه ليتعامل به الناس. ولكن الناس تركوه ومَشَوْا يتخبطون في ظلام ‏الجهل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعمل رجلا من عصابة، ‏وفيهم من هو أَرْضَى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين". وهكذا يكون مدى ‏حرص الإسلام على استقامة أمور الناس".‏
وواضح أن الشيخ الشعراوى مصر على أن الإنسان فاسد وأنه خرج عن ‏القانون. ولكن كيف يكون الإنسان خارجا عن القانون الكونى، وهو فى تقدمه ‏وإنجازاته الحضارية إنما حققه باكتشاف هذا القانون الكونى والتزامه؟ بطبيعة الحال ‏يقصد الشيخ الشعراوى بالقانون شريعة الإسلام ومنظومة الأخلاق فيه. ولكن ‏ليس كل الناس فى البلاد الإسلامية يهملها عن عمد وقصد بل كثير منهم يحاول ‏إرجاع المجتمع إليها بغض النظر عن توفيقه أو فشله فى هذه المهمة. كما أن فى ‏الدول الأخرى كفرة وملحدين لا يؤمنون بأى دين لا عنادا ولا تمردا بل لأنهم ‏عُمِّىَ عليهم طريق الوصول فلم يهتدوا ولم يبلغوا ما يريح عقولهم وقلوبهم، فقد ‏بحثوا ودققوا، ثم لم ينتهوا إلى شىء أو تصوروا أنه لا يوجد إله أو دين. وكثير منهم ‏فلاسفة ومفكرون كبار كبرتراند راسل الفيلسوف البريطانى، الذى ناقشته فىمقال ‏طويل لى منذ سنوات ورددت عليه حججه وفنّدت أفكاره التى اعتمد عليها فى ‏إلحاده، ولكن باحترامٍ لموقفه الطيب من القضية الفلسطينية وعدم مبالاته بدولته، ‏التى تولت كِبْر إنشاء إسرائيل. ‏
والإسلام قد أرسى هنا قاعدة ألماسية تقول إنه إذا لم يتبين الهدى للشخص ‏الذى يبحث عن الدين الحق فإنه معذور عند الله كما يفهم من الآية 116 من سورة ‏‏"النساء": "ومَنْ يُشَاقِقِ الرسولَ من بعدما تبيَّن له الهُدَى ويتَّبعْ غيرَ سبيل المؤمنين ‏نُوَلِّه ما تَوَلَّى ونُصْلِه جَهَنَّمَ، وساءتْ مصيرا"، وكما وضح لنا العلماء الكبار لدينا ‏كالإمام الغزالى والإمام الرازى ومحمد عبده ورشيد رضا والشيخ محمود شلتوت ‏مثلا.‏
وكثير من المجتمعات التى لا تؤمن غالبيتها، ومنهم قادتها وزعماؤها ‏وكبارها، لا بالله ولا بالدين قد توصلت إلى نظام سياسى واقتصادى عادل إلى حد ‏بعيد يحقق كثيرا جدا من قيم الإسلام العليا، وإن لم يكن هو الحد المثالى. والناس ‏هناك لا يخونون الأمانة بسهولة ولا يأكل بعضهم حقوق بعض ويفلتون من ‏العقاب ولا ينامون عن أعمالهم وواجباتهم ولا يؤدونها سلق بيض، بل يتقنون ما ‏يعملون حتى يخرج من أيديهم حَسَنًا مُعْجِبًا. وينعكس هذا فى مستوى المعيشة ‏المرتفع، وفى مقدار الحرية الكبير الذى يتمتع به المواطنون، وفى احترام القانون، فهو ‏كافل حقوقهم وحامى إنسانيتهم، وفى التقدم العلمى والصناعى والاقتصادى ‏الذى يتمتع به الناس فى ذلك المجتمع، وفى انتشار النظافة والنظام والجمال فى كل ‏مكان، وفى رقى النظام التعليمى، وتقدم الإبداع العلمى والفنى. فهل هذا كله ‏فساد؟ فما الصلاح إذن؟ وقد توصلوا إلى كل هذا بعقولهم وتفكيرهم. فهل ‏استخدام العقل كله شر كما يفهم من كلام الشيخ رحمه الله؟ ‏
نحن نعرف أن كثيرا من تلك الدول فى علاقتها بنا كانت ظالمة متجبرة ‏متوحشة، فسرقت خيراتنا وقتلت أحرارنا أو سجنتهم وأذلتنا وعملت كل ما فى ‏وسعها وما زالت تعمل لنظل متأخرين، وتقف فى المحافل الدولية ضد قضايانا ‏وحقوقنا. ولكن هل نحن أفضل منها تجاه أنفسنا؟ بالعكس لقد أرى أننا نظلم ‏أنفسنا أشد مما ظلمتنا تلك الدول. بيد أنى إنما أتكلم هنا لا عن تعاملها معنا بل عن ‏معاملتها لمواطنيها واحترامها لحقوقهم وخشيتها من الأحزاب المعارضة، فلهذا ‏نراها تمشى على العجين فلا تلخبطه، وليست كدول العالم الثالث، التى يذيقها ‏حكامها جحيم الاستبداد والهزائم والفشل فى كل الميادين والتى تستعذب شعوبها ‏الاستبداد والخنوع والرضا بالهوان وانعدام الإحساس لديها بأن حقوقها دُمِّرَت على ‏أيدى أولئك الحكام.‏
ويتبقى قول الشيخ الجليل: "والفساد في الأرض هو أن نجعل عقولنا هي ‏الحاكمة، فلا نتأمل في ميزان الكون الذي خلقه الله، وإنما نمضي بعقولنا نخطط ‏فنقطع الأشجار ونرمي مخلفات المصانع في الأنهار فنفسدها، ونأتي بالكيماويات ‏السامة نرش بها الزرع أو مجاري المياه والأنهار كما يحدث الآن فنملؤه سُمًّا ثم نأكله ‏ثم نجد التلوث قد ملأ الكون. وطبقة الأوزون قد أصابها ضرر واضح يعرض ‏حياة البشر على الأرض لأخطار كبيرة. وتفسد مياه الأنهار ولا تصبح صالحة ‏للشرب ولا للري. ويضيع الخير من الدنيا بالتدريج".‏
وتعقيبنا على ذلك هو أن الشيخ ينطلق من اعتقادٍ راسخ عنده مؤداه أن الناس ‏يعرفون ميزان الكون معرفة تامة منذ نزولهم من بطون أمهاتهم. وهذا غير صحيح. ‏إنهم يتصرفون بما يؤديهم إليه عقلهم فيجدون النتيجة طيبة فى البداية، فيطمئنون إلى ‏ما توصلوا إليه، لكنهم مع مرور الأيام يتنبهون إلى أن هناك آثارا جانبية ضارة لم ‏يلتفتوا إليها فى مبتدإ الأمر، فيعملون على علاجها وتلافيها... وهكذا ينتقلون من ‏صواب إلى خطإ إلى صواب إلى خطإ مرة أخرى، وتظل الأمور تجرى على هذا ‏النحو، وهم يصوبون خطواتهم ويكتسبون أرضا صالحة تتسع مع الأيام، وإن لم ‏يعن هذا أنهم يستطيعون التخلص نهائيا من الأخطاء والثغرات، إذ هى جزء أصيل ‏من حياتهم وتركيبتهم البشرية لا فكاك لهم من هذا. فالعلماء الذين اخترعوا ‏الكيماويات السامة التى كانوا يرشون بها الزراعة لم يكونوا يعرفون فى البداية أنه ‏سيكون لها ضرر بالغ، ولكن لما تبين لهم هذا الضرر شرعوا يفكرون فى البديل. ‏واكتشاف الضرر لم يكن بين أيديهم منذ اللحظة الأولى التى اخترعوا فيها تلك ‏الكيماويات، بل ظهر فيما بعد. والسبب فى هذا هو سقف القدرات والإمكانات ‏البشرية غير العالى، وتلك هى طبيعة الحياة. وإذا كان هذا يحدث معنا الآن بعدما ‏تقدمت الإنسانية كل هذا التقدم فما بالنا يا ترى بالإنسان البدائى الأول الذى كان ‏جاهلا كل شىء تمام الجهل أو حتى بالإنسان قبل العصر الحالى حين كان طريقه لا ‏يزال مظلما رغم ما مشاه من مسافة حضارية لا بأس بها؟
وفى تفسير الآية 55 من سورة "الأنفال": "إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ ‏كَفَرُوا" يردد فضيلة الشيخ هذه الفكرة مرة أخرى فيقول: "يبين لنا أن الله سبحانه ‏وتعالى قد ألحق الكفار بالدواب واستثنى المؤمنين فقط، فسبحانه خلق الدواب ‏وباقي أجناس الكون مقهورة تؤدي مهمتها في الحياة بالغريزة وبدون اختيار. ‏والشيء الذي يحدث بالغرائز لا تختلف فيه العقول، ولذلك نجد كثيراً من الأشياء ‏نتعلمها نحن أصحاب العقول من الحيوانات والحشرات التي لا عقول لها لأن ‏الحيوانات تتصرف بالغريزة، والغريزة لا تخطىء أبدا. فإذا قرأنا قول الحق سبحانه ‏وتعالى: "فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ" ‏‏(المائدة/ 31) نجد أن الغراب الذي لا اختيار له ولا عقل علَّم الإنسان الذي له ‏عقل واختيار. وقد حدث ذلك لأن الغراب محكوم بالغريزة.‏
إذن فكل ما يقوم به الحيوان من سلوك هو باختيار الله سبحانه وتعالى لأن ‏الحيوان مقهور على التكاليف. ومن رحمة الله تعالى أن المخلوقات باستثناء الإنسان ‏خلقت مقهورة تفعل كل شيء بالغريزة وليس بالعقل، ولكن الإنسان الذي كرمه ‏الله بالعقل يكفر ويعصي رغم أن الحق أنعم على الإنسان بنعمة الاختيار. ومن ‏العجيب أننا نجد الحيوان المحكوم بالغريزة لا يخرج سلوكه عن النظام المجبول ‏عليه ويؤدي مهمته كما رُسِمَتْ له تماما: فالدابة مثلاً تلد ويأخذون وليدَها ليذبحوه ‏فلا تنفعل لأن هذه مهمتها في الحياة: أن تعطي للإنسان اللحم. والحمامة ترقد على ‏بيضها، وعندما يخرج الفروج الصغير تتولاه لفترة بسيطة جدا حتى يعرف كيف ‏يطير وكيف يأكل ثم بعد ذلك تتركه ليؤدي مهمته لأنه محكوم بالغريزة، والغرائز لا ‏تخطىء. ويتصرف بها الحيوان بدون تعليم له.‏
فإذا جئنا للإنسان نجد أن ألوان السلوك المحكومة بالغريزة فيه لا يتعلمها: ‏إذا جاع طلب الطعام دون أن يعلِّمه أحد كيف يشعر بالجوع، فهذه غريزة. وإذا ‏عطش طلب الماء دون يعلمه أحد معنى العطش ولا كيف يشرب. وكل واحد منا ‏في الغرائز متساوٍ مع الآخر. ونجد الغنيَّ والفقيرَ والحاكمَ والغفيرَ إذا شعروا بالجوع ‏طلبوا الطعام، وإذا شعروا بالعطش طلبوا الماء. فكل شيء محكوم بالغرائز لا يوجد ‏فيه تغيير.‏
ومن العجيب مثلاً أن الحمار حين يريد أن يعبر مجرى مائيا ينظر إليه، وبمجرد ‏النظرة يستطيع أن يعرف هل سيعبره أو لا. فإن كان قادراً قفز قفزة واحدة ليعبر، ‏وإن لم يقدر بحث عن طريق آخر. ولا تستطيع أن تجبر حماراً على أن يعبر مجرى مائيا ‏لا يقدر على عبوره، ومهما ضربته فلن يستجيب لك ولن يعبر. أما الإنسان إن ‏طلبت منه أن يعبر قناة مائية فقد يقول لنفسه: سأجمع كل قوتي وأقفز قفزة هائلة. ‏وإن لم يكن قياسه صحيحا يسقط في الماء. ذلك لأنه أخطأ وصورت له أداة ‏الاختيار أنه يستطيع أن يفعل ما لا يقدر عليه. إذن فالمحكوم بالغريزة هو الأوعى.‏
وعندما نأتي إلى الأكل نجد الحيوان المحكوم بالغريزة أكثر وعيا لأنه يأكل، ‏فإذا شبع لا يذوق شيئا. ولو جئت له بأشهى الأطعمة فأنت لا تستطيع أن تجعل ‏الحيوان يأكل عود برسيم واحدا أو حفنة تبن أو حبة فول بعد أن يشبع، وتجده ‏يدوس على ما زاد عن حاجته بقدميه. وتعال إلى إنسان ملأ بطنه وشبع وغسل يديه، ‏ثم قالوا له مثلا: "أنت نَسِيتَ الفاكهة أو نسيت الحلوى" تجده يعود مرة أخرى ‏ليأكل وهو شبعان فيتلف معدته ويتلف جسده. ولذلك تجد الإنسان مصابا ‏بأمراض كثيرة لا تصيب الحيوان لأنه يسرف في أشياء كثيرة، بل تجد أن الأمراض ‏التي تصيب الحيوان معظمها من تلوث بيئة الحيوان مما يفعله الإنسان.‏
والحق سبحانه وتعالى يريد أن يخبرنا أن الدابة المحكومة بالغريزة خير من ‏الكافر لأن الدابة تؤدي مهمتها في الحياة تماما بينما لا يؤدي الكافر مهمته في ‏الأرض، بل يفسد فيها ويسفك الدماء، وبذلك يكون شرا من الدابة. ولقد قلنا: إن ‏الدّابة تحملك من مكان إلى مكان ولا تشكو، وتحمل أثقالك ولا تتبرم، وتظل سائرة ‏فترة طويلة وأنت جالس فوقها فلا تضيق بك وتلقيك على الأرض. لقد خُلِقَتْ ‏لهذه المهمة وهي تؤديها كما خلقت لها دون شكوى أو ضجر لأنها محكومة بنظام ‏دقيق تتبعه وتنفذه. ولكن الإنسان اخترع السيارة وطور فيها، وقد يجلس أمام مقعد ‏القيادة ويصيبه التعب فينعس ويقع في حادثة فيصاب فيها ويصيب غيره أيضا".‏
ولكن فات الشيخ أن الحيوان، وإن جاء تقديره لبعض الأمور أدق من ‏الإنسان، لا يحق لنا أن نصفه بأنه أوعى من الإنسان. فليس الأمر هنا أمر وعى، بل ‏أمر غريرة كما قال فضيلة الشيخ بنفسه. واتباع الغريزة ليس دليلا على الوعى، إذ ‏الحيوان يتصرف عندئذ بناء على هذه الغريزة لا بناء على الوعى. فهو كالكاتوب ‏‏(الكمبيوتر) قد بُرْمِج منذ البداية على نظام معين لا يستطيع أن يخرج عنه طوال ‏الدهر، ولم يقل أحدٌ قَطّ إن الكاتوب لديه وعى.‏
إن الرجل إذا ثارت شهوته بسبب رؤيته امرأة أنيقة جميلة شهية فهو خاضع ‏للغريزة، ولكنه حين يمسك نفسه ثم يفكر فيقرر أن يتزوجها فهو عندئذ يتصرف ‏عن وعى بغض النظر هل ستكون زيجة ناجحة أو لا. ولا يمكن أن يكون الحيوان ‏متبعُ الغريزة أفضلَ من الإنسان متبعِ الوعى. قد يعجبنا الحمار الذى لا ينبعث ‏فيحاول عبور مجرى الماء الواسع ولا يعجبنا الإنسان الذى يقدم على القفز فوقه ‏دون أن يقدر لرجله قبل القفز ولا بعد القفز موضعها فيسقط فى جدول الماء وتبتل ‏ثيابه وتتلطخ بالطين، وربما غرق أو أشرف على الغرق ولم ينج إلا بأعجوبة. لكن ‏هذا الإعجاب الوقتى لا ينبغى أن يعمينا عن الحقيقة الصارخة بأن الإنسان بوعيه، ‏الذى حقر من شأنه الشيخ، يبنى القناطر والجسور أو يستعين بالقوارب والمعديات ‏التى تنقله من شاطئ إلى شاطئ بينما يبقى الحمار واقفا لا يتزحزح على ضفة مجرى ‏الماء إلى الأبد لا يستطيع قفزا ولا يستطيع صنع وسيلة للعبور.‏
أما قوله إن "الشيء الذي يحدث بالغرائز لا تختلف فيه العقول، ولذلك نجد ‏كثيرا من الأشياء نتعلمها نحن أصحاب العقول من الحيوانات والحشرات التي لا ‏عقول لها لأن الحيوانات تتصرف بالغريزة، والغريزة لا تخطىء أبدا. فإذا قرأنا قول ‏الحق سبحانه وتعالى: "فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ ‏أَخِيهِ" (المائدة/ 31) نجد أن الغراب الذي لا اختيار له ولا عقل علَّم الإنسان ‏الذي له عقل واختيار. وقد حدث ذلك لأن الغراب محكوم بالغريزة"، أما قوله هذا ‏فلا مشاحة فى صدق ما جاء فيه من أن الإنسان الأول قد تعلم الدفن من الغراب ‏حين رآه يبحث فى الأرض بمنقاره وبراثنه. لكن لا ينبغى أن نغفل أن ذلك الغراب ‏المعلِّم قد بقى منذ ذلك اليوم عند هذه النقطة لم يَرِمْها لأنه لم يتطور بعدها فلم ينتقل ‏منها إلى شىء جديد، بخلاف تلميذه الإنسان، الذى انطلق مما تعلَّمه منه إلى أن ‏صارت مقابره فى بعض البلاد تحفا معمارية وفنية مما دفعنى ذات يوم، حين رأيت ‏صورة الجبَّان الذى دُفِن فى مقبرة من مقابره الروائى والسياسى البريطانى دانييل ‏ديفو (ق17)، إلى أن أقول ضاحكا ما معناه أن منظر المقبرة ونظافتها وتنسيقها ‏وحسنها البديع وفخامتها يجعل مذاق الموت جميلا ويحبب الإنسان فيه.‏
ذلك أن الحيوان يتصرف بغريزته لا يخرج عنها، ولا يحل مشاكله باستخدام ‏العقل، أما الإنسان فقد رزقه الله العقل والذكاء والقدرة على التأمل والتفكير ‏والتخيل وحل المشكلة وتطوير نفسه وقدراته وتصحيح مساره وأخطائه وتكميل ‏نواقصه. وهذا هو السبب فى إنجازه كل تلك الحضارة العظيمة بينما يبقى الحمار ‏حمارا لا يتطور أبدا مهما مرت به الأعوام والأحقاب. وهذا هو السبب فى أن ‏الإنسان إذا ما ضاق صدره بغباء إنسان آخر قال له: أنت حمار؟ لكن لم نسمع حمارا ‏قط يقول لحمار مثله على سبيل التحقير والسخرية منه ومن غبائه: أنت إنسان يا ‏أخى؟ ثم ألم يصف القرآن الكريم المشركين بأنهم دوابّ وأنهم كالأنعام بل هم ‏أضل سبيلا؟ فكيف نقول إن الحيوانات، التى تنتمى إليها الدواب والأنعام، أكثر ‏وأحسن وعيا من البشر؟ إذن فعلى هذا التفسير يكون الله سبحانه قد مدح المشركين ‏حين جعلهم دوابّ وأنعاما. فهل يقول أحد بهذا؟
وقد عاد الشيخ لمعالجة هذا الموضوع عند تفسيره للآية 36 من سورة ‏‏"التوبة"، وهى قوله تعالى: "إنما النَّسِىءُ زيادةٌ فى الكفر يُضَلُّ به الذين كفروا يُحِلّونه ‏عامًا ويحرِّمونه عامًا ليواطئوا عِدَّةَ ما حرَّم الله فيُحِلّوا ما حرَّم الله زُيِّنَ لهم سوءُ ‏أعمالهم والله لا يَهْدِى القومَ الكافرين"، فقال: "أراد الحق سبحانه أن يضع للسلام ‏ضمانا، وهو أن توجد قوة تقف أمام الفساد في الأرض. لذلك شاء الحق أن يكون ‏للحرب وجود في هذا الكون لتتصارع الإرادات. فما دام للإنسان اختيار، وما دام ‏هناك من يعصي ومن يطيع، فلا بد أن يحدث الصراع. أما الأمور التي لا اختيار ‏للإنسان فيها فهي لا تعكر السلام في الكون. فلن تقوم ثورة مثلا لكي تشرق ‏الشمس أو تشتعل حرب لإنزال المطر لأن هذه الأمور تسير بقوانين القهر التي ‏أرادها الله لها وتعطي نفعها للجميع، ولكن الفساد يأتي من انحراف الناس عن ‏منهج الله. وما دام في الكون حراس للمنهج من البشر بحيث إذا انحرف إنسان ‏ضربوا على يده حتى يعود إلى الطريق السليم فإن الحياة المطمئنة الآمنة تبقى. ولكن ‏إِنْ عَمَّ الفسادُ ولم يوجد في المجتمع من يقف ضده تعاندت حركات الحياة وتعب ‏الناس في حياتهم وأرزاقهم".‏
كذلك كرر فضيلته هذا الكلام عند تعرضه للآية التاسعة من سورة ‏‏"الشعراء" حين قال: "جاء الحق تبارك وتعالى هنا بصفة "الْعَزِيز" (الشعراء/ 9) ‏بعد أن قال: "وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ" (الشعراء/ 8) لنعلم أن الذين كفروا لم ‏يكفروا رَغْماً عن الله، إنما كفروا بما أودع الله فيهم من الاختيار. فهو سبحانه الذي ‏أعانهم عليه لَمَّا أحبوه وأصروا عليه لأنه تعالى ربُّهم، بدليل أنه تعالى لو تركهم ‏مجبرين مرغمين ما فعلوا شيئا يخالف منهج الله أبدا، وبدليل أنهم مجبرون الآن على ‏أشياء ومقهورون في حياتهم في مسائل كثيرة، ومع ذلك لا يستطيع أحد منهم أن ‏يخرج على شيء من ذلك. فمع إِلْفِهم العنادَ والتمردَ على منهج الله أيستطيع أحدهم ‏أنْ يتأبَّى على المرض أو على الموت أو على الأقدار التي تنزل به؟ أيختار أحد منهم ‏يوم مولده مثلاً أو يوم وفاته؟ أيختار طوله أو قوته أو ذكاءه؟ لكنْ لما أعطاهم الله ‏الصلاحية والاختيار اختاروا الكفر، فأعانهم الله على ما أحبُّوا، وختم على قلوبهم ‏حتى لا يخرج منها كفر، ولا يدخلها إيمان. وكلمة "العَزِيز" (الشعراء/ 9) تعني ‏الذي لا يُغْلَب ولا يُقْهَر. لكن هذه الصفة لا تكفي في حقّه تعالى لأنها تفيد المساواة ‏للمقابل، فلا بُدَّ أنْ نزيد عليها أنه سبحانه هو الغالب أيضا. لذلك يقول سبحانه ‏وتعالى: "وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ" (يوسف/ 21). فالله تعالى عزيز يَغْلِب ولا ‏يُغْلَب".‏
وبعيدا عن حديث الحروب فإن الظواهر الطبيعية التى تقوم على "القهر" ‏بعبارة الشيخ قد يمكن التدخل البشرى فيها على نحو أو على آخر، وليس الأمر فيها ‏مغلقا بالضبة والمفتاح تماما. ففى بعض البلاد المتقدمة قد استطاعوا إنزال المطر ‏عندما يحتاجون ذلك. والشيخ يقر بهذا ويقول إنه بإلقاء مادة كيماوية على السحاب ‏تمطر (محمد متولى الشعراوى/ نهاية العالم/ مؤسسة أخبار اليوم/ 1990م/ 19)، ‏وإن كان قد حمل على من يظنون بادعائهم وغرورهم أنهم استطاعوا إنزال المطر وأن ‏إحدى المغيبات الخمس التى استأثر الله بعلمها، وهى إنزال المطر، قد انكشفت ‏لهم: "إن اللهَ عنده عِلْمُ الساعةِ، وينزِّل الغيث، ويعلم ما فى الأرحام، وما تدرى ‏نفسٌ ماذا تَكْسِب غدا، وما تدرى نفسٌ بأىِّ أرضٍ تموت. إن الله عليم خبير" ‏‏(لقمان/ 34). ‏
ونحن لا نشارك المدعين المغرورين ادعاءهم وغرورهم، لكن هذا لا ينفى أن ‏للبشر الآن دخلا فى إنزال المطر بالاستعانة بالعلم والصناعة. بل نؤمن أن الله تعالى ‏هو الذى خلق البحار والأنهار وخلق القوانين التى على أساسها يتبخر الماء من ‏المسطحات المائية ويسير محمولا على الهواء ويتكاثف ثم ينزل مطرا، وأن كل ما ‏صنعه البشر، وهو ليس بالقليل، أنهم اكتشفوا كثيرا من هذه القوانين بتوفيق من الله ‏الكريم الذى جعل الإنسان قابلا للتعلم والتوسع فى العلم واستخدامه لمصلحته بما ‏فى ذلك القدرة على إنزال المطر فى بعض الأحيان. فهم مخلوقون لله، كما أن المطر ‏مخلوق لله، والقوانين التى تسيرهم وتسير الماء منذ كان فى البحر والنهر والبحيرات ‏إلى أن هطل مطرا هى أيضا من خلق الله. أما دور الإنسان فهو اكتشاف هذا كله ‏واستغلاله فى مصالحه. وهو شىء يسعدنا ويدفعنا إلى شكر المنعم الذى علمنا ‏وأقدرنا على الاستفادة من العلم. أما الادعاء والغرور فهو ليس مقصورا على بعض ‏العلماء بل كثيرا ما تجد لدى الجهلاء الغارقين فى الجهل ادعاء وغرورا أفحش. ‏
ولكنى لست مع الشيخ فى أن العلماء كلما اكتشفوا المزيد من أسرار الكون ‏ازداد إيمانهم كما قال فى الكتاب المذكور (ص13 وما بعدها). ذلك أنى أفهم قوله ‏تعالى: "إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ" لا على أساس أن العلماء هم من عرفوا كثيرا ‏من الأشياء والأسرار الكونية وحسب، ولكن على أساس أنهم من تعمقوا وفهموا ‏مما وقع لهم من علم ومعلومات أن وراء هذا الكون إلها عظيما يستحق الإيمان به ‏والحب والشكر والحمد له، ولم يعاندوا أو يتمردوا أو يغتروا أو يأخذوا الأمور ‏مأخذا سطحيا بل انصاعوا للحقائق ودلالاتها. فالمقصود بـ"العلماء" فى الآية هم ‏العلماء الحقيقيون. وذلك كما نقول: "فلان هذا رجل"، أى رجل بمعنى الكلمة، ‏وإلا فالرجال بالمليارات، وهو ما لا نقصده بطبيعة الحال لأن رجوليته بالمعنى ‏العادى لا تحتاج إلى إثبات أو تقرير. وقد يقول قائل إن المقصود بالعلماء فى الآية هم ‏علماء الدين. وقائل هذا يعمى عن الحقيقة الساطعة المتمثلة فى أن فى من يسمَّوْن ‏بـ"علماء الدين" العالم الحقيقى الشجاع المخلص، والجاهل الظالم الذى يضلل الناس ‏ويمالئ المستبدين ولا يخاف الله ولا يرقب فى المسلمين إلا ولا ذمة. وما أكثر ‏الصنف الأخير بينهم!‏
‏ ويذكرنا قولنا: "فلان هذا رجل" بقوله عز شأنه عن السبب الذى حدا ‏بطائفة من النصارى فى عهد نبينا محمد أن يؤمنوا به وبالقرآن ويبكوا خشوعا حين ‏سمعوا آيات الله: "ذلك بأن منهم قِسِّسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون"، مما فسرته ‏بأن المراد بـ"القسيسين والرهبان" هم العلماء والعُبَّاد الحقيقيون المخلصون اعتمادا ‏على أن معنى "القسيس" فى الأصل هو "العالم"، ومعنى "الراهب" هو العابد كما ‏بينت فى كتابى عن سورة "المائدة". أما القسيسون والرهبان بإطلاق فإذا سمعوا ما ‏أنزل إلى الرسول لم تفض عيونهم من الدمع مما عرفوا من الحق ولم يقولوا: "ربنا ‏آمنّا، فاكتبنا مع الشاهدين" ولم يطمعوا أن يُدْخِلَهم ربهم مع القوم الصالحين حسبما ‏تقول الآيات 82- 85 من سورة "المائدة".‏
كذلك استطاع البشر أن يزرعوا كثيرا من الخضراوات فى غير إبانها باستخدام ‏التقدم العلمى والصناعى. وبالمثل يمكنهم الآن عن طريق الهندسة الوراثية ‏الحصول على الأنواع التى يريدونها من هذا النبات أو من تلك الفاكهة. وكل ما ‏استعانوا به من علم وصناعة هو من عند الله. فليس فى الأمر افتئات على قدرة الله ‏ومشيئته بل هم خاضعون خضوعا مطلقا له سبحانه فى كل الأوقات وفى كل ‏الظروف وأينما كانوا. وهم قادرون على شق الأنهار وصنع البحيرات متى احتاجوا ‏إلى شىء من ذلك. وقد قرأنا أن التسونامى الذى حدث منذ سنوات فى شرق آسيا ‏هو مؤامرة من أمريكا، التى أجرت بعض التفجيرات قريبا من منطقة التسونامى ‏فأدت إلى حدوثه. هكذا قرأنا. ولا نقول إن ما قرأناه هو صحيح بالضرورة، ولكننا ‏نلفت الأنظار إلى دلالته وأن الإنسان قادر على أن يتدخل فى حدوث مثل هذه ‏الظاهرة الطبيعية الرهيبة. كما أشار الشيخ إلى الثَّقْب الذى أصاب طبقة الأوزون، ‏وهو أيضا من عمل البشر. ومما قرأناه كذلك فى الصحف أن أمريكا لا تريد الالتزام ‏بالقوانين التى تمنع من الإضرار بتلك الطبقة. ‏
وأما قول فضيلته إنه "ما دام في الكون حراس للمنهج من البشر بحيث إذا ‏انحرف إنسان ضربوا على يده حتى يعود إلى الطريق السليم فإن الحياة المطمئنة ‏الآمنة تبقى" فيبدو لى إسرافا شديدا فى التفاؤل، فالحرب والظلم لم ولن ينقطعا أبدا ‏فى الأرض، إذ حُبُّ العدوان موجودٌ منذ الأزل فى طبائع الناس جَرَّاءَ الغيرةِ ‏والأنانيةِ والطمعِ مما لا تخلو أو لا تكاد تخلو منه نفس بشرية. وقد جرب البشر ‏أساليب كثيرة للقضاء على العدوان والظلم، لكنهم سرعان ما تبين لهم أن صوت ‏القوة يعلو دائما على كل الأصوات. ‏
وفى تفسيره للآية السابعة من "الفاتحة" يقول الشيخ إن "أول ما يطلب المؤمن ‏هو الهداية والصراط المستقيم: "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ". والهداية نوعان: هداية ‏دلالة وهداية معونة. هداية الدلالة هي للناس جميعا، وهداية المعونة هي للمؤمنين ‏فقط المتبعين لمنهج الله. والله سبحانه وتعالى هَدَى كل عباده هدايةَ دلالةٍ، أَيْ دَلَّهُمْ ‏على طريق الخير وبَيَّنَه لهم: فمن أراد أن يتبع طريق الخير اتبعه، ومن أراد ألا يتبعه ‏تركه الله لما أراد. هذه الهداية العامة هي أساس البلاغ عن الله. فقد بين لنا الله ‏تبارك وتعالى في منهجه بـ"افعل ولا تفعل" ما يرضيه وما يغضبه، وأوضح لنا ‏الطريق الذي نتبعه لنهتدي، والطريق الذي لو سلكناه حق علينا غضب الله ‏وسخطه. ولكن هل كُلُّ مَنْ بَيَّنَ له الله سبحانه وتعالى طريق الهداية اهتدى؟ نقول: ‏لا. واقرأ قوله جل جلاله: "وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ‏فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ" (فُصِّلَتْ/ 17). إذن هناك من لا ‏يأخذ طريق الهداية بالاختيار الذي أعطاه الله له. فلو أن الله سبحانه وتعالى أرادنا ‏جميعا مَهْدِيِّين ما استطاع واحد من خلقه أن يخرج على مشيئته. ولكنه جل جلاله ‏خلقنا مختارين لنأتيه عن حب ورغبة بدلا من أن يقهرنا على الطاعة. ‏
ما الذي يحدث للذين اتبعوا طريق الهداية والذين لم يتبعوه وخالفوا مراد الله ‏الشرعي في كونه؟ الذين اتبعوا طريق الهداية يعينهم الله سبحانه وتعالى عليه ‏ويحببهم في الايمان والتقوى ويحببهم في طاعته. واقرأ قوله تبارك وتعالى: "وَالَّذِينَ ‏اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ" (محمد/ 17). أي أن كل من يتخذ طريق ‏الهداية يعينه الله عليه ويزيده تقوى وحبا في الدين. أما الذين إذا جاءهم الهدى ‏ابتعدوا عن منهج الله وخالفوه فإن الله تبارك وتعالى يتخلى عنهم ويتركهم في ‏ضلالهم. واقرأ قوله تعالى: "وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ ‏قَرِينٌ" (الزخرف/ 36). والله سبحانه وتعالى قد بين لنا المحرومين من هداية ‏المعونة على الإيمان، وهم ثلاثة كما بَيَّنْهُم لنا في القرآن الكريم: "ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا ‏الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" (النحل/ 107)، "ذلِكَ ‏أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ ‏وَاسْمَعُواْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" (المائدة/ 108)، "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ ‏إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي ‏وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ‏الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (البقرة/ 258). اذن فالمطرودون من ‏هداية الله في المعونة على الايمان هم الكافرون والفاسقون والظالمون".‏
كما عاد الشيخ لتناول هذه القضية خلال تفسيره للآية 19 من "التوبة": ‏‏"وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"، فقال: "وهذه أوجدت الحل لمشكلات متعددة ‏يثيرها بعض الناس حول الهداية، وكيف أنها من الله سبحانه وتعالى، وليست من ‏العبد، لقوله تعالى: "إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ" ‏‏(القصص/ 56). نقول: نعم إن مشيئة الهدى من الله سبحانه وتعالى، لكنه سبحانه ‏قد أوضح لنا من لا يُدْخِلهم في مشيئة هَدْيِه فقال: "وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" ‏‏(البقرة/ 264)، وقال سبحانه: "وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (البقرة/ 258)، ‏وقال سبحانه: "وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" (المائدة/ 108). وقد ذكر الحق ‏سبحانه وتعالى هذه الحقائق في الكثير من آيات القرآن الكريم. ‏
وبعض الناس يقول: إن الهدى من الله، ولو أن الله هداني ما قتلت وما ‏سرقت وما ارتشيت. ونقول: هذا فهم خاطئ. ولنرجع إلى القرآن الكريم، فالحق ‏تبارك وتعالى يقول: "وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي" أي نفى ما يستوجب الهداية عمن ظلم أو فسق ‏أو كفر لأن الحق سبحانه لا يَهْدِي من قدَّم الكفر أو قدَّم الظلم أو قدَّم الفسق. فكأن ‏الكافر أو الظالم أو الفاسق هو الذي يمنع الهداية عن نفسه. ولو قدم الإنسان الإيمان ‏لدخل في هداية الله تعالى. فكأن خروج الإنسان عن مشيئة هداية الله هي مسألة من ‏عمل الإنسان وباختياره، فقد يختار الإنسان طريق الغواية، ويترك طريق الهداية. ‏لذلك لا يهديه الله لأنه سبحانه لا يهدي إلا المؤمن به. وإن اختار الإنسان طريق ‏الهداية فالحق يعطيه المزيد من الهدى لأنه آمن بالله فاختار طريق الهداية واستقبل ‏منهج الله بالرضى. وهكذا نفهم قول الحق تبارك وتعالى: "فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ‏وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ" (فاطر/ 8). ‏
إذن فالحق يهدي من استمع إلى القرآن بروح الإيمان، واستقر في يقينه أن له ‏رَبًّا، واعتقد أن له إلهًا. وقد فصلنا ذلك في مسألة القضاء والقدر، وقلنا: إن الذين ‏يقرأون القرآن لفهم قضية الهداية عليهم أن يستقرئوا كل الآيات المتعلقة ‏بالموضوع. فسبحانه وتعالى قد أوضح أنه لا يهدي الكافر. إذن فهو يهدي المؤمن. ‏وأوضح أنه لا يهدي الظالم. إذن فهو يهدي العادل. وأوضح أنه جل وعلا لا يهدي ‏الفاسق. إذن فهو يهدي الطائع. فلا يقولَنَّ أحد: "إن الله لم يشَأْ أن يهديني" لأن هذا ‏فهم خاطىء لمعنى الهداية من الله، فسبحانه وتعالى قد بيَّن لنا من شاء هدايته ومن ‏شاء إضلاله. وهو يهدي من قدم أسباب الهداية وأسلم مقاليد زمامه للإيمان. والله ‏سبحانه وتعالى يقول: "وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ ‏عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا" (مريم/ 76)، ويقول أيضا: "وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ ‏هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ" (محمد/ 17). ‏
إذن فالله أخبرنا مسبقًا بمن يستحق هدايته ومن لا يدخل فيها، وأنت ‏باختيارك طريقَك إما أن تؤمن فتدخل في الهداية، وإما أن تختار طريق الكفر والظلم ‏والعياذ بالله فتمتنع عنك الهداية. فإذا جاء أحد يجادلك ويقول لك: إن الله سبحانه ‏وتعالى قد قال: "كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ" (المدثر/ 31) لك أن ‏تقول له: لقد بيَّن الله عز وجل من شاء له الهداية ومن شاء له الضلال. ولقد ضربنا ‏لذلك مثلاً، ولله المثل الأعلى، فقلنا إن الهداية قد وردت في القرآن الكريم على ‏معنيين: المعنى الأول هو الدلالة على الطريق، وهذه هداية للجميع، فقد دل الله ‏المؤمن والكافر على طريق الإيمان برسله وكتبه، أي بيَّن لهم ما يرضيه وما يغضبه ‏وما يوجب رحمته وما يوجب لعنته. فالهداية الأولى إذن وردت بمعنى الدلالة ‏للجميع، أي أنها هداية عامة. ثم هناك هداية ثانية خاصة للمؤمنين، وهي التي بيَّنها ‏الله سبحانه وتعالى في قوله تعالى: "وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ" ‏‏(محمد/ 17)، أي أعانهم على منهجه فيسَّر لهم الطاعة وصعَّب عليهم المعاصي. فإذا ‏امتثل المؤمن لمنهج الله وأطاعه فالحق عز وجل يشرح صدره بذلك، ويجبب الطاعة ‏إليه فيزداد طاعة. وإذا شرع في ارتكاب المعصية بغَّضها له وجعلها ثقيلة على نفسه ‏حتى يتركها. ‏
وضربنا لذلك مثلا بالرجل الذي يقود سيارته ذاهبا لمكان معين، وعند ‏مفترق الطرق وجد رجلا من رجال المرور، فدله على الطريق. هذه دلالة عامة. ‏وعندما يقدم الرجل الشكر لجندي المرور فرجل المرور يزيد من الإيضاح له: لا ‏تتبع طريق كذا لأن فيها متاعب ومصاعب، واتبع طريق كذا وكذا تصل في سرعة ‏ويسر. وهذه زيادة في الدلالة أو زيادة في الهداية. لكن إن قال سائق السيارة لنفسه: ‏إن هذا رجل مرور لا يعرف شيئاً، وتجاهل شكره، فرجل المرور يتركه وشأنه. إذن ‏فالحق سبحانه قد هدى المؤمن والكافر إلى طريق الإيمان: فمن اتخذ طريق الإيمان ‏أعانه الله تعالى عليه. ومن اتخذ طريق الكفر، والعياذ بالله، تركه الله يعاني ويضل. ‏ولذلك لا بد لنا أن نتذكر دائما أن الهداية هدايتان: هدايةُ دلالةٍ لكل الناس، وهدايةُ ‏معونةٍ للمؤمنين فقط، وفي الدلالة العامة يقول الحق تبارك وتعالى: "وَهَدَيْنَاهُ ‏النَّجْدَينِ" (البلد/ 10). أما دلالة المعونة فهي التي يقول فيها المولى عز وجل: ‏‏"وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ" (محمد/ 17).‏
وما يكشف لنا أن الهداية عامة أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن قوم ‏ثمود، وهم الذين بعث الله إليهم أخاهم صالحًا، قال سبحانه: "وَأَمَّا ثَمُودُ ‏فَهَدَيْنَاهُمْ" (فُصِّلَتْ/ 17). ولو كانت الهداية هنا بمعنى أنهم أصبحوا مهتدين ‏وسلكوا سبيل الإيمان ما قال الله سبحانه بعدها: "فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى" ‏‏(فصلت/ 17). إذن "فَهَدَيْنَاهُمْ" في هذه الآية الكريمة معناها: دللناهم على طريق ‏الإيمان، ولكنهم اختاروا طريق العمى والكفر".‏
وهذا كلام جميل. ويمكن أن نضيف إلى هذه الطريقة الجميلة طريقة أخرى ‏لتوجيه الآيات القرآنية التى قد تبدو للعين المتعجلة متضاربة أو يتخذ منها المعاند ‏المتمرد تكأة للتنصل من المسؤولية بالقول بأن الله هو الذى يَهْدِى وهو الذى يُضِلّ، ‏وما نحن البشر سوى ريشة فى مهب الرياح العاتية لا تستطيع أن تقاوم، فضلا عن ‏أن تستطيع اختيار طريقها المستقل الخاص بها. ذلك أن هذا الأمر يمكن النظر إليه ‏من أفقين مختلفين: فأنا وأنت نشعر شعورا فطريا تلقائيا بأننا، أمام كثير جدا جدا من ‏أمور الحياة، نستطيع أن نفعل وألا نفعل، ويكون ذلك الشعور من الوضوح ‏بمكان، والدليل على ذلك أننا نستطيع فى هذه الحالة أن نشرع فى فعل الشىء، ثم ‏بعدما نبدأ الفعل نتوقف ونقرر عدم المضى فيه... وهكذا دواليك. ‏
كما أن الله سبحانه يوم القيامة، وكذلك القانون فى الدنيا، يعاقباننا على ما ‏اجترحناه من أخطاء. والله عادل ولا يمكن أن يعاقبنا وهو يعرف أنه لم يكن لنا أى ‏اختيار فيما فعلناه، وإلا كان ظلما وإجحافا، وحاشا لله أن يكون ظالما متعنتا جل ‏جلاله. ومن هنا فإذا أسندنا الفعلَ وتَرْكَ الفعل إلى أنفسنا فنحن محقون فى هذا، ‏‏"فَيَدَاك أَوْكَتَا، وفُوكَ نَفَخ" كما يقول المثل العربى القديم. كما أن القرآن فى مواضع ‏كثيرة منه ينسب المشيئة إلى الإنسان. وقد وقفتُ أمام هذه المسألة فى كتابى عن ‏سورة "الرعد" فألفيت الله يسند المشيئة فى كتابه العزيز إلى الإنسان أيام كان يعيش ‏فى الجنة الأولى قبل أن يهبط منها، وفى الدنيا حيث نحيا الآن، وكذلك فى العالم ‏الآخر. والنصوص فى ذلك غزيرة كما يعلم كل من قرأ القرآن.‏
لقد وردت أفعال المشيئة فى القرآن مائتين وستًّا وثلاثين مرة، ولاحظت من ‏استقصائى لآيات المشيئة أن فاعل المشيئة فى الأغلبية منها هو الله سبحانه وتعالى، ‏أما فى الآيات التى لم يكن لفظ الجلالة هو الفاعل للمشيئة فقد كان الفاعل هو ‏البشر. ولم يحدث أن أسند القرآن المشيئة، من دون الله، لغير البشر. ومن هذه ‏الآيات يتبين الآتي: ‏
‏- أن القرآن قد أسند المشيئة إلى البشر، أفرادا أو جنسا، ثماني وعشرين مرة ‏‏(زائد مرتين سنذكرهما بعد قليل). وليس هذا فى حد ذاته بالشيء القليل. ‏
‏- أن الله سبحانه وتعالى قد عَزَا المشيئة فى أكثر من موضع إلى آدم وزوجه، ‏وهما أصل البشرية. ومعنى ذلك أن المشيئة مقررة للبشر منذ أول الخلق، وليست ‏شيئا طرأ على الإنسانية مِنْ بَعْد. وعلاوة على هذا فإسناد المشيئة إلى آدم وحواء وقع ‏وهما لا يزالان فى الجنة لم يهبطا منها إلى الأرض بعد، وهذا له دلالته ومغزاه. ‏
‏- أن القرآن ينسب المشيئة لبني آدم أيضا فى الآخرة، فهي إذن ليست شيئا ‏مؤقتا، بل شيئا أصيلا فيهم منذ كانوا فى الجنة الأولى (جنة ما قبل الأرض)، وستظل ‏معهم فى الجنة الثانية (جنة ما بعد الموت). ‏
‏- فإذا أضفنا الآيتين التاليتين من آيات المشيئة الإنسانية، وهما: "وَمَا تَشَاؤُونَ ‏إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ" (الإنسان/ 20)، ‏‎"‎وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" ‏‏(التكوير/ 29)‏‎ ‎اتضح لنا أن مشيئة الإنسان ليست من عنده، بل هي من عند الله ‏سبحانه وتعالى. أي أن الله عز وجل شاء لنا أن نشاء. فهى إذن ليست مشيئة ‏مستقلة. كما أنها ليست مطلقة. وهذا ما يفرق بينها وبين مشيئة رب العالمين: فمشيئة ‏الله من عنده، وهى مشيئة مطلقة غير محدودة، أما مشيئتنا فهى هبة من الله وتكريم ‏منه لنا، وهى أيضا لا تستطيع أن تحقق كل شيء، لكنها رغم هذا تنجز الكثير. ‏
‏- وإذا تتبعنا آيات المشيئة الإلهية فى القرآن الكريم فإننا نجدها تتعلق بكل ‏شيء، فهو يبسط الرزق على من يشاء، وهو يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وهو ‏ينصر من يشاء ويهلك من يشاء، وهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو يضع ‏رسالته حيث يشاء، وهو إن شاء حرك الريح وإن شاء أسكنها، وهو يرسل ‏الصواعق فيصيب بها من يشاء ويجنبها من يشاء، وهو ينزل المطر على من يشاء ‏ويصرفه عن من يشاء... وهكذا، وهكذا. ثم إن مشيئة الله سبحانه ليست شيئا غير ‏منضبط، بل تأخذ طريقها من خلال السنن الكونية التى أجرى الله سبحانه عالمه ‏على أساسها. وقد اقتضت مشيئته، كما رأينا من آيات القرآن الكريم، أن يكون ‏للإنسان مشيئة. ولكنها، كما قلنا، مشيئة مقيدة وغير مستقلة. وبهذه المشيئة يحاول ‏الإنسان أن يشق طريقه، بعون الله وفضله، خلال السُّنَن الإلهية، مما نسميه اليوم: ‏‏"القوانين الطبيعية". وبقدر ما يكتسبه الإنسان من العلم ويكتشفه من هذه القوانين ‏تصبح حركته أكثر حرية. ولنضرب مثلا على ذلك: فالإنسان منذ دهور سحيقة ‏يحلم بأن يطير، ولكن مشيئته هذه كانت تصطدم بقانون الجاذبية، الذي لم يكن ‏يفهمه ولا يستطيع أن يتعامل معه. وقد حاول تعويض ذلك باختراع الأساطير التى ‏يصور فيها طيران بعض البشر فى الهواء. أما بعد تقدم العلم وانكشاف قانون ‏الجاذبية وغيره من القوانين التى تحكم عملية الطيران فقد استطاع الإنسان، بفضل ‏خالقه ورعايته، أن يخترع المناطيد والبالونات والأشرعة والطائرات وسفن الفضاء، ‏التى مكنته أن يحول حلمه القديم إلى واقع، وبهذا يكون قد نفذ مشيئته. ومع ذلك ‏فإن حياة الإنسان لا تزال وستظل مملوءة بألوان النقص والعجز. ومهما حقق ‏الإنسان من آمال وأحلام فستبقى آماله وأحلامه التى لم تتحقق أكثر. ذلك أن ‏مشيئته، كما قلنا ونكرر، هى مشيئة محدودة وغير مستقلة. ‏
وإلى القارئ بعض الآيات التى تؤكد فى ذات الوقت وجود المشيئة الإنسانية ‏وأنها مستمدة من مشيئة الله سبحانه، وإن لم يستخدم القرآن فيها لفظ "المشيئة": ‏‏"ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ"‏‎ ‎‏(الأنفال/ ‏‏53)، "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ" (الرعد/ 11)، "وَيَهْدِي إليهِ ‏مَنْ أَنَابَ" (الرعد/ 27)، "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ" (التوبة/ 14)، "يَا أَيُّهَا ‏الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ" (محمد/ 7). ‏
هذا بالنسبة إلى إسناد المشيئة إلى الإنسان، ولكننا نستطيع فى ذات الوقت أن ‏ننسب كل شىء إلى مشيئة الله بما فى ذلك الهداية والإضلال، إذ إن الله سبحانه ‏وتعالى هو خالق البشر وواهبهم مشيئتهم، ومزودهم بالقدرات والإمكانات التى ‏ينفذون بها تلك المشيئة. كما أنه عز وجل خالق كل شىء من ملائكة وجن وحيوان ‏ومواد جامدة وقوانين كونية يتعامل معها الإنسان ويصارعها وتصارعه حتى ‏تستجيب لإرادته إلى هذا المدى أو ذاك. فكل أمر، كما نرى، راجع فى نهاية المطاف ‏إليه عز وجل. ومن هنا ففى الأفق الأعلى فإن الله هو الذى يشاء كل شىء، ولكن ‏إذا ما نزلنا من هذا الأفق الأعلى إلى الأفق الأدنى، أفق الأرض والبشر، جاز لنا ‏دون أى افتئات منا، أن ننسب إلى أنفسنا الأفعال التى نحس أنها وقعت منا.‏
وهذا كما نقول مثلا، مع الفارق الهائل، إن جمال عبد الناصر هو بانى السد ‏العالى، وفى نفس الوقت نقول إن من بناه هم المهندسون والأسطوات والعمال ‏الفلانيون. فهذا صواب، وهذا صواب. والكلام فى الحالين مفهوم ومقبول. ونجد ‏شيئا من هذا فى قول الشيخ رحمه الله لدن تناوله لقوله تعالى فى سورة "النحل": ‏‏"الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏‏(32)، إذ قال: "أي المتقون هم الذين تتوفاهم الملائكة طيبين. ومعنى "تَتَوَفَّاهُمُ" ‏‏(النحل/ 32)، أي تأتي لقبْض أرواحهم. وهنا نَسَب التوفّي إلى جملة الملائكة كأنهم ‏جنودُ مَلَكِ الموت الأصيل عزرائيل. وقد سبق أنْ قُلْنا: إن الحق تبارك وتعالى مرةً ‏ينسب التوفّي إلى الملائكة، ومرة ينسبه إلى مَلك الموت: "قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ ‏الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ" (السجدة/ 11). ومرّة ينسبه إلى نفسه سبحانه: "اللَّهُ يَتَوَفَّى" ‏‏(الزمر/ 42). ذلك لأن الله سبحانه هو الآمر الأعلى، وعزرائيل مَلكُ الموت ‏الأصيل، والملائكة هم جنوده الذين يُنفّذون أوامره".‏
وفى ضوء ما مر يمكننا أن نقرأ ونفهم ما قاله الشيخ الشعراوى عند تفسير ‏الآية السابعة من سورة "البقرة": "خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى ‏أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ". قال فضيلته: "وكما أعطانا الحقُّ سبحانه ‏وتعالى أوصافَ المؤمنين يعطينا صفاتِ الكافرين. وقد يتساءل بعض الناس إذا كان ‏هذا هو حكم الله على الكافرين فلماذا يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏الإيمان منهم، وقد ختم الله على قلوبهم؟ ومعنى الختم على القلب هو حكم بألا ‏يخرج من القلب ما فيه من الكفر ولا يدخل إليه الإيمان. نقول إن الله سبحانه ‏وتعالى غني عن العالمين: فإن استغنى بعضُ خلقه عن الإيمان واختاروا الكفر فإن ‏الله يساعده على الاستغناء ولا يعينه على العودة إلى الإيمان. ولذلك فإن الحق ‏سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين ‏يذكرني: فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملأ خير ‏منه، وإن اقترب إليَّ شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا، ‏وإن أتاني يمشي أتيته هرولة".‏
وقد وضح الحديث القدسي أن الله تبارك وتعالى يعين المؤمنين على الإيمان، ‏وأن الله جل جلاله كما يعين المؤمنين على الإيمان فإنه لا يهمه أن يأتي العبد إلى ‏الإيمان أو لا يأتي. ولذلك نجد القرآن دقيقا ومحكما بأن من كفروا قد اختاروا الكفر ‏بإرادتهم. واختيارهم للكفر كان أولا قبل أن يختم الله على قلوبهم. والخالق جل ‏جلاله أغنى الشركاء عن الشرك. ومن أشرك به فإنه في غِنًى عنه. إن الذين ‏كفروا... يختم الله بكفرهم على آلات الإدراك كلها: القلب والسمع والبصر. ‏والقلب أداة إدراك غير ظاهرة... وفي القرآن الكريم يقول الحق تبارك وتعالى: ‏‏"وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ ‏وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (النحل/ 78). وهكذا يعلمنا الله أن منافذ العلم في ‏الإنسان هي السمع والأبصار والأفئدة. ولكنْ في الآية الكريمة التي نحن بصددها ‏قدَّم اللهُ القلوبَ على السمع والأبصار لأن الله يعلم أنهم اختاروا الكفر، وكان هذا ‏الاختيار قبل أن يختم الله على قلوبهم. والختم على القلوب معناه أنه لا يدخلها ‏إدراك جديد ولا يخرج منها إدراك قديم. ومهما رأت العين أو سمعت الأذن فلا ‏فائدة من ذلك لأن هذه القلوب مختومة بخاتم الله بعد أن اختار أصحابها الكفر ‏وأصروا عليه. وفي ذلك يصفهم الحق جل جلاله: "صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ ‏يَرْجِعُونَ" (البقرة/ 18). ‏
ولكن لماذا فقدوا كل أدوات الإدراك هذه؟ لأن الغشاوة التفَّتْ حول ‏القلوب الكافرة، فجعلت العيون عاجزة عن تأمل آيات الله، والسمع غير قادر على ‏التلقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن فهؤلاء الذين اختاروا الكفر ‏وأصروا عليه وكفروا بالله رغم رسالاته ورسله وقرآنه ماذا يفعل الله بهم؟ إنه ‏يتخلى عنهم. ولأنه سبحانه وتعالى غنيٌّ عن العالمين فإنه ييسر لهم الطريق الذي ‏مَشَوْا فيه ويعينهم عليه. واقرأ قوله تبارك وتعالى: "وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـنِ ‏نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ" (الزخرف/ 36)، ويقول جل جلاله: "هَلْ أُنَبِّئُكُمْ ‏عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ" (الشعراء/ 221- 222). ‏
ومن عظمة علم الله تبارك وتعالى أنه يَعْلَم المؤمن ويعلم الكافر دون أن ‏يكون جل جلاله تدخَّلَ في اختيارهم. فعندما بعث الله سبحانه وتعالى نوحًا عليه ‏السلام، ودعا نوحٌ إلى منهج الله تسعمائة وخمسين عاما، وقبل أن يأتي الطوفان، علم ‏الله سبحانه وتعالى أنه لن يؤمن بنوح عليه السلام إلا من آمن فعلا، فطلب الله ‏تبارك وتعالى من نوح أن يبني السفينة لينجو المؤمنون من الطوفان. واقرأ قوله جل ‏جلاله: "وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ ‏يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ" ‏‏(هود/ 36- 37).‏
وهكذا نرى أنه من عظمة علم الله سبحانه وتعالى أنه يعلم من سيصر على ‏الكفر وأنه سيموت كافرا. وإذا كانت هذه هي الحقيقة فلماذا يطلب الله تبارك ‏وتعالى من رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغهم بالمنهج وبالقرآن؟ ليكونوا ‏شهداء على أنفسهم يوم القيامة فلا يأتي هؤلاء الناس يوم المشهد العظيم ويجادلون ‏بالباطل أنه لو بَلَغَهم الهدى ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لآمنوا. ولكن ‏لماذا يختم الله جل جلاله على قلوبهم؟ لأن القلب هو مكان العقائد، ولذلك فإن ‏القضية تُنَاقَش في العقل. فإذا انتهت مناقشتها واقتنع بها الإنسان تماما فإنها تستقر في ‏القلب ولا تعود إلى الذهن مرة أخرى وتصبح عقيدة وإيمانا. والحق سبحانه وتعالى ‏يقول: "فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" (الحج/ ‏‏46). وإذا عَمِىَ القلب عن قضية الإيمان فلا عين ترى آيات الإيمان ولا أذن تسمع ‏كلام الله".‏
وفى نهاية المطاف نقول مكررين إن الله هو خالق الكون، ومشيئته مطلقة، ‏لكنه سبحانه قد أعطى الإنسان مشيئة، وهى مشيئة مقيدة ونسبية. وبالمشيئة ‏والقدرة البشرية المحدودة التى خلعها الله على البشرية استطاعت إنجاز كل هذا ‏التراث الحضارى العظيم ببركة من الله جل جلاله. وهذه المشيئة منغمرة فى المشيئة ‏الإلهية الكبرى، فهى مرتبطة بها ومنطلقة منها ومحدودة بها، لكنها رغم ذلك كله ‏تتمتع بقدر من الحرية والاستقلالية المفاضة عليها من الله سبحانه.‏
وكما قلت فى مفتتح هذا الفصل فإن الجبر والاختيار متمازجان فى كل ما ‏نفعل. ذلك أنه ما من فعل أفعله أنا مثلا إلا ووراءه عوامل مساعدة تدفعنى إلى ‏فعله وتسهِّله علىَّ، ومن هذه العوامل التربية الطيبة التى تلقيتها فى المنزل، والتعليم ‏الذى حَصَّلْتُه فى المدرسة والجامعة، والكتب التى قرأتها، والتجارب التى مررت بها ‏فى حياتى، والمناقشات التى دارت بينى وبين زملائى وأصدقائى، وتديُّنى ‏وأخلاقى، ورغبتى فى أن أنجز شيئا طيبا أرضى به عن نفسى وأكسب منه عيشى، ‏والابتهال إلى الله أستمد منه رفع روحى المعنوية حتى يكون أدائى طيبا، ومدى ‏ثقتى بنفسى، التى هى ثمرة كل الإيجابيات والسلبيات التى تعرضت لها على مدار ‏عمرى (وبالمناسبة هذا كله كلام افتراضى، فأنا لست هكذا ولا نصفه ولا ربعه ولا ‏حتى ثمنه). ولكنْ فى ذات الوقت ثَمَّ معوقات وقيود تصعّب علىَّ انطلاقى وتحقيق ‏رغبتى، ومن تلك العوائق صعوبات العمل الذى أنا مقبل عليه، ورغبتى كإنسان فى ‏الميل إلى الراحة والكسل والتسويف وكراهية المشقة، وتآمرات مُنَافِسِىَّ فى الحصول ‏على الوظيفة التى أرجو الحصول عليها، وكذلك من يكرهوننى ويعملون على ‏إفشالى والتشويش علىَّ وإطلاق الشائعات ضدى. وأنا فى خلال ذلك كله أستعين ‏بالعوامل المساعدة وأعمل على إحباط المعوقات والصعوبات، باذلا كل جهدى فى ‏سبيل النجاح والانتصار.‏
فإن نجحت وكسبت الوظيفة ونُسِب النجاح والانتصار إلىَّ وإلى أنى أردت ‏وشئت ذلك فكان لى ما أردت وشئت كانت النسبة صحيحة ومنطقية. على أن ‏نعرف أن مشيئتى التى حققت بها ما حققت هى بدورها متأثرة بالعوامل السابقة: ‏إيجابيها وسلبيها، وممتزجة فيها نسبة من الجبر والإكراه ونسبة من الاختيار والحرية. ‏لكن لو أردنا أن ننظر إلى الأمر من كل جوانبه نظرة بانورامية قلنا إن هذه مشيئة الله ‏سبحانه. فهو الذى خلقنى ووفر العوامل المساعدة لى، وفى نفس الوقت هو أيضا ‏خالق المصاعب والعقبات التى تعترض طريقى، وخالق القوانين الكونية التى تنظم ‏صراعى مع معوقات طريقى واستعانتى بالعوامل المساعدة فى الحصول على النجاح ‏والفوز. وما دمنا سنحاسَب يوم القيامة بسبب المشيئة التى أفيضت علينا من الله ‏فإن سعة قدرتنا ومدى مشيئتنا يؤخذان فى الاعتبار. فالحساب إنما يكون على ما هو ‏فى وسعنا وقدرتنا، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وأرجو أن أكون بهذه الصورة ‏الكروكية قد أفلحت فى توضيح فكرتى، وأن تكون الفكرة ذاتها صحيحة. وواضح ‏أن الأمور كلها، على النحو الذى وضحته هنا، إنما هى فى قبضة الله، إذ كثيرا ما ‏تأتى النتائج على غير ما يأمرنا به جراء القَدْر الذى نتمتع به من المشيئة الحرة، فهى ‏المسؤولة عن الطاعة والعصيان: فإن أطاع الإنسان ربه فقد التقت مشيئته مع ما ‏يريده منه ربه، وإن عصاه اختلفت مشيئته مع ما أمره به سبحانه.‏
وقد عبر الشيخ عن هذا المعنى بأسلوب آخر فى شرح الآية 35 من سورة ‏‏"النحل"، وهى: "وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ ‏وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ ‏إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ"، إذ قال: "لا بُدَّ أن نلاحظ أن لله تعالى مرادات كونية ومرادات ‏شرعية. فالمراد الكونيّ هو ما يكون فِعلاً. كُلُّ ما تراه في الكون أراد الله أن يكون. ‏والمراد الشرعي هو طَلَبُ الشيء لمحبوبيته. ولنأخذ مثلاً لتوضيح ذلك كُفْرَ الكافر: ‏أراد الله كَوْنيًّا أن يكون لأنه خَلَقَه مختاراً وقال: "فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ ‏فَلْيَكْفُرْ" (الكهف/ 29). وطالما خلقك الله مختاراً تستطيع أن تتوجه إلى الإيمان أو ‏تتوجه إلى الكفر. ثم كفرتَ. إذن فهل كفرتَ غَصْباً عنه وعلى غير مُراده سبحانه ‏وتعالى؟ حاشا لله! ومعنى ذلك أن كُفْر الكافر مُرَادٌ كونيّ، وليس مراداً شرعيًّا. ‏وبنفس المقياس يكون إيمان المؤمن مُراداً كونيًّا ومُراداً شرعيًّا... ‏
إذن هو مراد شرعي، وكذلك مراد كوني... وهكذا. فلا بُدَّ أن نُفرِّق بين المراد ‏كونيا والمراد شرعيا. ولذلك لما حدثت ضجة في الحرم المكي منذ سنوات وحدث ‏فيه إطلاق للنار وترويع للآمنين قال بعضهم: "كيف يحدث هذا وقد قال تعالى: ‏‏"وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً" (آل عمران/ 97)، وها هو الحال قَتْلٌ وإزعاجٌ للآمنين ‏فيه؟". والحقيقة أن هؤلاء خلطوا بين مراد كوني ومراد شرعي، فالمقصود بالآية: ‏فَمْن دخله فأمِّنوه، أي اجعلوه آمناً. فهذا مطلَب من الله تبارك وتعالى، وهو مراد ‏شرعي قد يحدث وقد لا يحدث. أما المراد الكوني فهو الذي يحدث فعلاً. وبذلك ‏يكون ما حدث في الحرم مراداً كونيًّا، وليس مراداً شرعيًّا". ‏
أما تعليقه التالى، غفر الله له، على الآية 93 من سورة "النحل": "وَلـكِن يُضِلُّ ‏مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ" فلا أظنه أصاب المرمى. قال: "هذه الآية يقف عندها ‏المتمحِّكون والذين قَصُرَتْ أنظارهم في فهْم كتاب الله، فيقولون: طالما أن الله هو ‏الذي يضِلّ الناس فلماذا يُعذِّبهم؟ ونتعجَّب من هذا الفهم لكتاب الله ونقول ‏لهؤلاء: لماذا أخذتُمْ جانب الضلال وتركتُم جانب الهدى؟ لماذا لم تقولوا: طالما أن ‏الله بيده الهداية، وهو الذي يهدي، فلماذا يُدْخِلنا الجنة؟ إذن هذه كلمة يقولها ‏المسرفون لأن معنى "يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ" (النحل/ 93) أي يحكم على ‏هذا من خلال عمله بالضلال، ويحكم على هذا من خلال عمله بالهداية مثلما يحدث ‏عندنا في لجان الامتحان، فلا نقول: اللجنة أنجحت فلاناً وأرسبت فلاناً. فليست ‏هذه مهمتها، بل مهمتها أن تنظر أوراق الإجابة، ومن خلالها تحكم اللجنة بنجاح ‏هذا وإخفاق ذاك. وكذلك الحق تبارك وتعالى لا يجعل العبد ضالاً، بل يحكم على ‏عمله أنه ضلال وأنه ضَالّ. فالمعنى إذن: يحكم بضلال مَنْ يشاء، ويحكم بهُدَى مَنْ ‏يشاء، وليس لأحد أن ينقلَ الأمر إلى عكس هذا الفهم، بدليل قوله تعالى بعدها: ‏‏"وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" (النحل/ 93). فالعبد لا يُسأل إلا عَمَّا عملتْ يداه، ‏والسؤال هنا معناه حرية الاختيار في العمل، وكيف تُسْأَل عن شيء لا دَخْل لك ‏فيه؟".‏
ذلك أن "أضلَّ فلان فلانا" و"هَدَاه" لا تعنيان القول بأنه ضالٌّ ومهتدٍ بل ‏تعنيان إضلاله وهدايته فعلا. وقد قلنا إننا إذا ما نسبنا أى شىء مما نفعله إلى الله ‏فنحن مصيبون، وإذا نسبناه إلى أنفسنا فنحن أيضا مصيبون، تبعا لزاوية الرؤية كما ‏وضحنا آنفا. ولو كان كلام الشيخ فى توجيه معنى صيغتى الفعلين صحيحا لأراح ‏الأجيالَ الماضية من مجادلات واتهامات وصراعات ومعارك كثيرة، ووفر الوقت ‏والجهد والتوتر والأوراق والأحبار التى أنفقت فى ذلك. إنها محاولة حسنة النية لحل ‏المشكلة، لكنها محاولة غير موفقة. نحن نقول: "كفَّر فلانٌ فلانًا أو شيَّعه أو فسَّقه أو ‏بدَّعه" مثلا، ونقصد أنه نسبه إلى الكفر أو التشيع أو الفسق أو البدعة، أى حكم ‏عليه بذلك. أما "أضلَّ وهَدَى" فلم أسمع بأحد استخدمهما فى هذا المعنى، إذ لا ‏تستخدم صيغتا "فَعَلَ" و"أَفْعَلَ" فى الحكم على فلان أو علان بالهدى أو بالضلال. ‏ولعلنا لو قلنا: "هَدَّى فلان فلانا أو ضَلَّله"، بمعنى أنه حكم عليه بالضلال ‏والهدى، يكون الكلام صحيحا.‏












عرض البوم صور إبراهيم عوض   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تفسير الآية الثامنة من سورة الرعد بينى وبين الشيخ الشعراوى إبراهيم عوض ملتقى الكاتب والباحث الإسلامي الدكتور: إبراهيم عوض 0 06-16-2018 02:06 AM
بانتظار الخبر العاجل ياسر طويش القضية السورية 1 01-05-2013 11:43 PM
تابع الخبر صرخة حرة منتدى الحوار والنقاش الحر 1 08-30-2011 07:55 AM
أيتها المرأة.. لا يفوتنك هذا الخبر! الباسم وليد الحياة الزوجية 1 01-13-2011 03:16 PM
طلل الحبر فريد محمد المقداد الشاعر خالد ابو حمدية 3 09-26-2010 09:12 AM


الساعة الآن 07:51 AM.

جميع الآراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا علاقة لإدارة الموقع بها

Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
Translation by wata1.com