(2) أنواعُ التشبيهِ
الأمثلةُ:
(1) أنا كالماءَ إِنْ رَضيتُ صفاءً....... وإذَا مَا سَخطتُ كُنتُ لهيبا
فالشاعريُشبه نفسه في هذا البيت في حال رضاه بالماء الصافي الهادئ، وفي حال غضبه بالنار الملتهبة، فهو محبوبٌ مخوف
(2) سِرْنا في ليلٍ بَهيم .......... كأَنَّهُ البَحْرُ ظَلاماً وإِرْهاباً.
(البهيم): المظلم.
وفي هذا المثال شُبِّه الليلُ في الظلمة والإِرهاب بالبحر.
وإِذا ما تأَمَّلنا التشبيهين في الشطر الأَول من البيت الأوّل، والمثال الثاني رأَينا أَداة التشبيه مذكورة في كل منهما،
وكلُّ تشبيه تذكر فيه الأَداةُ يسمَّى مرسلاً.
وإِذا نظرنا إلى التشبيهين مرةً أخرى رأينا أَنَّ وجه الشبه قد بُيِّنَ وفُصِّلَ فيهما،
وكلُّ تشبيهٍ يُذكر فيه وجهُ الشبه يسمَّى مفصَّلاً.
واعتماداً على ما سبق نستطيع أن نطلقَ على هذا النوعَ من التشبيه اسم:
التشبيه المرسل المفصّل، وهو ما يسمّى بـ: ( التّشبيه التّام الأركان )
(3) قال ابنُ الرُّوميِّ في تأْثير غِناءِ مُغَنٍّ:
فَكأَنَّ لذَّةَ صَوْتِهِ وَدَبيبَها… سِنَةٌ تَمَشَّى فِي مَفَاصِل نُعَّس
(السنة): النعاس.
ويصف ابنُ الرومي في هذا المثال حُسنَ صوتِ مُغنٍّ وجميلَ إيقاعه، حتى كأَنَّ لذّة صوتِه تسري في الجسمٍ كما تسري أوائل النوم الخفيف فيه،
ولكنه لم يذكر وجهَ الشبه معتمدًا على أنّ السّامعَ يستطيع إدراكه بنفسه
(4) وقال ابنُ المعتزّ:
وكأَنَّ الشمْسَ الْمُنِيرَةَ دِيـ....… ـنارٌ جَلَتْهُ حَدَائِدُ الضَّرَّابِ
(جلته): صقلته، و(الضرّاب): الذي يطبع النقود.
ويشبِّه ابنُ المعتز الشمس عند الشروق بدينار مجلوّ قريبٌ عهده بدار الضرب،
ولم يذكر وجه الشبه أيضاً وهو الاصفرارُ والبريق،
ويسمَّى هذا النوع من التشبيه، الذي ذُكرت فيه الأداة و لم يذكرْ فيه وجهُ الشبه:
التشبيه المرسل المجمل.
(5) الجَوَادُ في السرعة بَرْقٌ خاطِفٌ.
وفي هذا المثال شُبِّه الجوادُ بالبرق في السرعة من غير أَن تذكر أداةُ التشبيه.
(6) أَنْتَ نجْمٌ في رِفْعةٍ وضِياء........ تجْتَليكَ الْعُيُونُ شَرْقاً وغَرْبا
(تجتليك): تنظر إليك.
وفي هذا المثال شُبّه الممدوحُ بالنجم في الرّفعة والضياء من غير أَن تُذكر أداةُ التشبيه، وذلك لتأكيدِ الادعاء بأَنَّ المشبَّه عينُ المشبَّه به،
ويسمَّى هذا النوع من التشبيه، الذي لم تُذكرْ فيه الأداة وإنّما ذُكِرَ وجهُ الشبه فقط:
التشبيه المؤكّد المفصّل.
أكّده حذف الأداة وفصّله وجود وجه الشّبه.
(7) وقال المتنبي وقدِ اعْتَزَمَ سيفُ الدولةِ سَفَرًا:
أيْنَ أزْمَعْتَ أيُّهذا الهُمامُ؟.........نَحْنُ نَبْتُ الرُّبَى وأنتَ الغَمامُ
(أزمعت): وطدت عزمك، و(الربا): الأراضي العالية.
وفي هذا المثال يسأَلُ المتنبي ممدوحه في تظاهر بالذعر والهلَع قائلا: أين تقصد؟ وكيف ترحل عنا؟ ونحن لا نعيشُ إلا بك، لأَنك أنت الغمامُ الذي يحيي الأَرض بعد موتها، ونحن النَّبتُ الذي لا حياة له بغير الغمامِ.
فكما هو واضح وبيّن نرى أنّ المتنبي قد حذف أداة التشبيه ووجه الشّبه زيادة في التوكيد.
(8) وقال الْمُرَقَّش:
النَّشْرُ مسكٌ والوُجُوهُ دَنا ... نيرُ وأطرافُ الأكفِّ عنمْ
(النشر): الراحة الطيبة، و(العنم): شجر له ثمر أحمر يشبه به البنان الخضوب.
وفي البيت الأخير يشبِّه المرقش النشر، وَهو طِيبُ رائحةِ منْ يصف، بالمسك، والوجوه بالدنانير، والأنامل المخضوبة بالعنم،
وإذا تأَملنا هذه التشبيهاتِ رأينا أنها من نوع التشبيه المؤكَّد، ولكنها جمعت بالإضافة إلى حذف الأداة حذف وجه الشَّبه.
وذلك لأَنَّ المتكلم عمد إِلى المبالغة والإِغراق في ادِّعاء أنَّ المشبَّه هو المشبَّه به نفْسُه. لذلك أَهملَ الأَداة التي تدلُّ على أَنَّ المشبَّه أَضعفُ في وجه الشبه من المشبَّه به، وأَهملَ ذكرَ وجه الشبه الذي ينمُ عن اشتراك الطرفين في صفة أو صفاتٍ دون غيرها.
ويسمَّى هذا النوع بالتشبيه المؤكّد المجمل، وهو ما يسمّى بـ:(التّشبيه البليغِ)
وهو مظهرٌ من مظاهر البلاغة وميدان فسيحٌ لتسابق المجيدين من الشعراء والكتاب.
* ومن خلال الأمثلة السّابقة التي عرضنا لها شرحاً وتفصيلاً نستطيع أن نستخلص ما يأتي بيانه:
(1) التّشبيه التّام الأركان: وهو ما ذُكِرَتْ فيه الأداة ووجه الشّبه.
(2) التشبيهُ الْمُرْسَلُ: وهو ما ذُكِرَتْ فِيه الأداةُ.
(3) التشبيهُ الْمُؤَكَّد: وهو ما حُذِفتْ منهُ الأَداة.
(4) التشبيهُ الْمُجْمل: وهو ما حُذِف منه وجهُ الشبهِ.
(5) التشبيهُ الْمُفَصَّلُ: وهو ما ذُكِرَ فيه وجهُ الشبهِ.
(6) التشبيه البليغُ: وهو ما حُذِفت منهُ الأَداةُ ووَجهُ الشبه.
ومن الشبيه البليغ المصدر المضاف المبين للنوع نحو:
راغ الرجل روغان الثعلب.
والله من وراء القصد